من المؤكّد أن أزمة مسلمي الروهينغا ليست وليدة عام مضى، بل إن معاناتهم ممتدّة على مدار سنوات مضت، لكنها تفجّرت خلال السنة الأخيرة وأخذت صدىً إعلامياً دولياً واسعاً.
25 أغسطس 2017، كان تاريخاً فارقاً في أزمة هؤلاء المسلمين الذين يتعرّضون لانتهاكات وحملة تطهير عرقي على أيدي قوات الأمن في ميانمار، أدّت إلى مقتل وجرح وتشريد مئات الآلاف منهم.
عملية التطهير التي شنّتها السلطات ضد مسلمي إقليم أراكان (راخان) منذ ذلك التاريخ، أسفرت عن تدمير 319 قرية جزئياً أو كلياً، بحسب صور الأقمار الاصطناعية.
من هم الروهينغا؟
هم أقلية عرقية مسلمة في دولة ميانمار ذات الأغلبية البوذية التي ترفض الاعتراف بهم، إذ يدّعي البوذيون بدلاً من ذلك أنهم ينحدرون من أصل بنغالي، ووجودهم داخل البلاد ما هو إلا نتاج لحركة الهجرة غير الشرعية.
لكن الروهينغا (مصطلح ظهر أول مرة عام 1799) يدحضون هذه الادعاءات، ويؤكّدون أنهم من سكان ما قبل الاستعمار في ولاية أراكان.
وتشير المراجع التاريخية إلى أن أصول الروهينغا تعود إلى القبائل العربية التي وفدت إلى آسيا للتجارة في القرن الثامن الميلادي، كما أن لهم لغة خاصة تتبع اللغات الهندوأوروبية، وهي تعتمد أبجدية تعد حديثة نسبياً.
ويبلغ عدد مسلمي الروهينغا نحو 1.33 مليون نسمة، وتصنّفهم الأمم المتحدة بأنهم من أكثر مجموعات اللاجئين المعرّضين للاضطهاد في العالم.
متى بدأت أزمة الروهينغا؟
تعود لما قبل قيام ميانمار، وتحديداً إلى فترة الاستعمار البريطاني، الذي قام بتحريض البوذيين على قتل الروهينغا وتعذيبهم، وأسّس بذلك لأزمة ما زالت مستمرّة منذ عقود من الزمن.
وعلى أثر هذا التحريض قام البوذيون -بعد أن أمدّهم البريطانيون بالسلاح- بارتكاب مذبحة بحق المسلمين عام 1942، فتكوا خلالها بالآلاف.
وعام 1948 استقلّت باسم بورما. وبعد جولات من الاستقلال والغزو استمرّت 11 عاماً جاء الاستقلال بحكم شيوعي تلاه آخر عسكري، استمرّ نحو 49 عاماً حتى انتهى في العام 2011، قبل نشأة الحكم الحالي.
ورغم اختلاف فترات الحكم وتعاقبها فإن الاضطهاد للأقلية المسلمة كان موجوداً في كل العهود، وهو الذي اضطرّ مئات الآلاف للنزوح بسببه خلال تلك الفترات.
لكن بعد عام من تولّي حكومة رئيس ميانمار، ثين سين، زمام السلطة في البلاد عام 2011، اشتعل هذا الاضطهاد بشكل كبير حتى وصل إلى حدّ التطهير العرقي العلني من قِبل الدولة.
وفي يونيو من 2012، بدأت شرارة العنف العنصري ضد مسلمي الروهينغا، ما أوقع نحو 280 قتيلاً غالبيتهم مسلمون، في حين نزح أكثر من 140 ألف شخص.
لماذا يفرّ الروهينغا ومن يُؤويهم؟
إضافة إلى العنف المتواصل، فإن أبناء هذه الأقلية يعانون انعدام احتياجاتهم وحقوقهم الأساسية؛ كالرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل، إذ إنهم يعيشون في بيئة تمييز عنصري؛ نظراً لرفض ميانمار الاعتراف بهم كمواطنين.
لكن هذه الظروف ليست جديدة، فما بين مايو 1991 ومارس 1992، فرّ أكثر من 260,000 من الروهينغا خارج البلاد بسبب انتهاكات حقوق الإنسان التي قام بها الجيش البورمي؛ من مصادرة الأراضي، والاغتصاب، والتعذيب، والإعدامات دون محاكمة.
وإزاء ذلك فإن دول الجوار المرشحّة لإيواء نازحي الروهينغا بدت غير راغبة ولا مرحّبة بتوفير إقامة دائمة لهم، أو غير قادرة على ذلك.
فقام كلّ من ماليزيا وإندونيسيا بإبعاد مئات من الروهينغا الفارّّين إليهما؛ بحجّة أن القدرة المالية لا تحتمل قبولهم، كما أشار نائب وزير الداخلية الماليزي بقوله: “علينا إرسال رسالة واضحة أنهم غير مُرحّب بهم هنا”.
وبالمثل رفضت البحرية التايلاندية استقبالهم، غير أن بنغلاديش، ذات الأغلبية المسلمة، كانت الدولة الوحيدة التي استقبلتهم وأقامت لهم مخيمات لجوء، لكن مسؤوليها بدؤوا يتحدّثون مؤخراً عن نيّة الحكومة إجلاءهم.
وفي حقيقة الأمر لا يبدو ذلك مُستَنكراً؛ فبنغلاديش واحدة من أكثر البلدان كثافة سكانية في العالم، كما تعاني اقتصاداً هشّاً وحكومة ضعيفة، بحسب وسائل إعلام محلية.
Comments are closed.