بعد دعم الحكومة الأفغانية لعقود.. هل فات أوان تقرب الهند من طالبان؟

واشنطن (عربي times)

مع انسحاب آخر القوات الأمريكية من أفغانستان، تشعر الهند بقلق شديد من أن عودة حركة طالبان إلى السلطة قد تعني عودة الجماعات المتشددة التي تموّلها باكستان، والتي اعتادت مهاجمة الهند، ويبدو أن الاحتمال المتزايد لاستدعاء القوات الهندية لدخول أفغانستان يثير خوف نيودلهي أكثر من أي أمر آخر.

ولا يقتصر ذلك الشعور على الحكومة الهندية وحدها، إذ تشعر روسيا، وإيران، والصين، بالقلق من تداعيات الحرب الأهلية الأفغانية الممتدة، بما في ذلك أزمة اللاجئين واسعة النطاق، إلا أن الهند في أضعف وضع، ففي حين بدأت روسيا، والصين، وإيران، التحدث مع طالبان منذ سنوات، لتكون أكثر قدرة على معالجة مخاوفهم مباشرة مع الحركة إذا عادت إلى السلطة، تمسكت الهند بمعارضتها المبدئية للحركة ووقفت إلى جانب حلفائها في حكومة أفغانستان.

ووسط تنبؤات تُشير إلى حدوث حرب أهلية في أفغانستان، وتوقعات خبراء هنود أن سلطة الحكومة الأفغانية ستقتصر على المراكز الحضرية، بدأت نيودلهي إرسال رسائل تصالحية إلى طالبان، التي لم يتم الرد عليها حتى الآن.
ووفقًا لمجلة ”فورين بوليسي“، لم تكن الحكومة الأفغانية مسرورة لسماع تلك التقارير، وهي تناشد الهند لتقديم المزيد من الدعم في الوقت، الذي تشتد حاجتها إليه.

وصرح مسؤول أفغاني رفيع المستوى للمجلة، بأن الولايات المتحدة التزمت بالفعل بتقديم 4.5 مليار دولار سنويًا، بما في ذلك جزء كبير مخصص لقوات الأمن الأفغانية، و29 مروحية حربية من طراز ”بلاك هوك“، مضيفًا أن“زيادة عدد طائرات بلاك هوك ستغير موازين الحرب لصالحنا“.

تدخل عسكري هندي

لم تطلب الحكومة الأفغانية من الهند التدخل العسكري، لكن مبعوث أفغانستان إلى الهند فريد ماموندزاي قال للمجلة، إنه يتعين عليها ذلك إذا وصلنا إلى طريق مسدود بالكامل مع طالبان، وسنرغب في مساعدة الهند العسكرية“.

ويعد انهيار الدولة الأفغانية سيناريو محتملًا، وقد يحدث في وقت أقرب مما كان متوقعًا من قبل، ووفقًا لتقييم وكالات الاستخبارات الأمريكية، يمكن أن تسقط الحكومة في غضون 6 أشهر.

من جانبه قال الدبلوماسي البارز سيد أكبر الدين، سفير الهند السابق لدى الأمم المتحدة، إنه من المستبعد أن تنشر الهند جيشها في أفغانستان، موضحًا أن“لدينا تحديات على حدودنا أيضًا، ولا أعتقد أن هناك قبولًا سياسيًا أو شعبيًا في الوضع الحالي لمثل هذه التدخل“.

وقال المحلل الدفاعي الهندي راهول بيدي، إن الهند تعارض التدخل العسكري في دول أخرى، خاصة تلك التي هُزمت فيها معظم الجيوش الأجنبية مثل أفغانستان.

وأضاف أن“الهند قدمت معدات عسكرية بما في ذلك 4 طائرات هليكوبتر، وقطع مدفعية، وأسلحة صغيرة، ورادار وذخيرة، وخلال تسعينيات القرن الماضي، نشرت أطقم صيانة جوية لصيانة طائرات الهليكوبتر السوفيتية التابعة للجيش الأفغاني، ويمكن للهند مد أفغانستان بالمزيد من المعدات العسكرية، والتمويل، وتسليح الميليشيات الصديقة أيضًا، من خلال أطراف ثالثة، ولكنها لن ترسل جيشها“.

وأوضح بيدي، أن الهند قد تضطر إلى التخلي عن مشاريعها، وسحب حوالي 3100 مواطن هندي، معظمهم من المهندسين الذين يساهمون في جهود إعادة الإعمار.

قوات حفظ السلام

وتعد الهند حذرة للغاية في دورها كطرف عسكري، ولذلك من المستبعد أن تنشر جيشها في أفغانستان، لكن بعض الأفغان يؤكدون أن الهند يمكن أن ترسل قواتها لحفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة.

وقال محلل أفغاني يُدعى داود مراديان، إن الأمم المتحدة يجب أن تلعب دورًا رائدًا، بما في ذلك ملء الفراغ الأمني الناشئ من خلال نشر بعثة حفظ السلام في أفغانستان، موضحًا أنه يمكن للبعثة أن تساعد على تعاون باكستان والهند لمنع انزلاق أفغانستان نحو الفوضى والانهيار.

وعلمت المجلة من دبلوماسي أفغاني كبير أن فكرة بعثة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة قد طُرحت لأول مرة قبل بضعة أشهر من قِبل زلماي خليل زاد، وهو دبلوماسي أمريكي أفغاني ومهندس اتفاق أمريكا في قطر، مع حركة طالبان.

وتشير التقارير إلى أن الصين قد تفكر في إرسال فرقة من قوات حفظ السلام إلى أفغانستان، لكن حليفتها باكستان راعية طالبان ليست بحاجة إليها، ولذلك يشكك الهنود في الفكرة.

وأشار الدبلوماسي الأفغاني إلى أن“فكرة وجود قوة كبيرة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في أفغانستان في الوضع الحالي لا تصلح، لأن هذه القوات تعمل في بيئة يوجد فيها سلام يجب حفظه، وليس في بيئة لا يوجد فيها سلام على الإطلاق، وتمتلك باكستان وكيلًا يعد أحد أطراف النزاع، وبالتالي لا يمكن قبول قواتها كقوة محايدة لحفظ السلام، ومن الواضح أنهم لا يريدون الهند هناك أيضًا، وهذا ينهي أي فكرة تتعلق بقوات حفظ السلام الهندية أو الباكستانية في أفغانستان ”.

”يجب التعامل معهم“

ويناقش المحللون الهنود ما إذا كان ينبغي على الهند أيضًا التواصل مع طالبان في وقت سابق عندما احتاجت الحركة إلى اعتراف نيودلهي بها.

وقال السفير الهندي السابق في أفغانستان عمار سينها، إنه كان هناك جدال لصالح إجراء محادثات مع طالبان، في شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي.

وأضاف:“كان من المفترض بالتأكيد أن نتواصل مع طالبان، بمجرد جلوس الحكومة الأفغانية وطالبان معًا للتفاوض، فلماذا نمتنع عن ذلك والجميع يتحدث معهم؟ يجب أن نتعامل معهم، كما نفعل مع أي فصيل آخر“.

وفي كابول، العام 2016، قال أكبر آغا، ابن عم الملا سيد طيب آغا، الذي كان الرئيس السابق لمكتب طالبان في الدوحة، إن طالبان كانت سعيدة بالمصالحة مع الهند.

وأشار أغا إلى أنه“ليس لدينا مشاكل مع هندوستان، وفي الواقع نريد أن نرسل لهم رسالة سلام وصداقة“.

وكانت الجماعة تنقل رسالتها عبر قنوات غير رسمية مختلفة في الوقت الذي كان من شأن العلاقة مع الهند أن تمنح طالبان شرعية في المجتمع الدولي، وفي العام 2018، زار سفيران هنديان سابقان روسيا كمراقبين في المنتدى الإقليمي لروسيا حول أفغانستان بحضور طالبان.

وبحسب مصدر حضر المحادثات، تواصلت طالبان بعد ذلك مع الدبلوماسيين الهنود مباشرة، وأبدت رغبتها في إصلاح العلاقات، ولكن الآن، بعد تحقيق عدة انتصارات في ساحة المعركة، تغيرت نبرتهم بقدر كبير، وتخلوا عن أسلوب الاسترضاء.

”تناقض واضح“

ومن العاصمة القطرية الدوحة، تحدث سهيل شاهين، المتحدث باسم الحركة بعد فترة وجيزة من عودته من العاصمة الروسية موسكو، حيث عمل مع زملائه على تخفيف مخاوف روسيا بشأن الانفلات الأمني في المناطق المتاخمة لدول الاتحاد السوفيتي السابق، وعلى ضرورة إثبات الهند حيادها أولًا في الصراع، إذا كانت تريد التحدث مع طالبان.

وأضاف شاهين:“لدينا علاقات سياسية مع روسيا، وإيران، والصين، ليس لمدة عام أو عامين، لكن منذ سنوات عديدة، لقد زرنا المسؤولين هنالك عدة مرات وأكدنا لهم أننا لن نسمح باستخدام الأراضي الأفغانية ضدهم، في حين كانت الهند تقف إلى جانب الحكومة التي نصّبها الأجانب، فهم ليسوا معنا، وإذا تمسكوا بسياستهم في دعم حكومة مفروضة على الأفغان، يجب أن يشعروا بالقلق، فهذه السياسة خاطئة ولن تخدمهم“.

وزعم ”شاهين“ أن الهند كانت تسلح الحكومة الأفغانية، الأمر الذي أزعج الحركة، حيثُ قال: ”لدينا تقارير من قادتنا تفيد بأن الهند تقدم أسلحة للجانب الآخر، وكيف يعقل أنهم يريدون التحدث إلى طالبان بينما يزودون كابول بالأسلحة والطائرات المسيّرة وكل شيء؟ هذا تناقض واضح“.

من جانبهم، قال محللون هنود إن الحكومة الهندية كانت حذرة للغاية في مساهماتها العسكرية للحكومة الأفغانية، وإنه من السابق لأوانه أن تساعد الهند أي متطوعين أو ميليشيات، ولم تتمكن المجلة من الاتصال بوزارة الخارجية الهندية للتعليق على الأمر.

ولم يتضح بعد ما إذا كان الوفد الهندي قد التقى ممثلي حركة طالبان، كما ورد في الأخبار الهندية، حيث نفت وزارة الشؤون الخارجية الهندية التقارير، لكنها قالت إن الحكومة الهندية على اتصال“بمختلف أصحاب المصلحة“.

وكان جايشانكار وزير الخارجية الهندي في روسيا وإيران في نفس الوقت الذي زار فيه وفد طالبان البلدين لإجراء محادثات مع ممثلي الحكومة الأفغانية، وتشير التقارير إلى أنه ناقش مخاوف الهند مع نظيريه الإيراني والروسي.

وبينما يخشى العالم سقوط كابول، تعتبر الحكومة الأفغانية وأصدقاؤها الهنود هم الوحيدون الواثقون من أنها ستصمد، ولكن الهنود ليسوا مستعدين للتدخل في حرب خسرتها الجيوش الجبارة لحلف ”الناتو“ والولايات المتحدة.

وقد تُضطر الهند إلى تعزيز الأمن في كشمير على خط السيطرة مع باكستان، وتأمل في أن يبقي دعم الولايات المتحدة الحكومة الأفغانية صامدة.

وقال سينها إن“طالبان تتصرف كما لو أنها انتصرت بالفعل، ولكن هذا ليس صحيحًا، حيث تعتمد شرعية عناصرها على كيفية تعاملهم مع الشعب الأفغاني“.

Comments are closed.