الخرطوم (عربي times)
وضع المكون العسكري في الحكومة الانتقالية بالسودان، أمام طاولة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، مطلبا بحل الحكومة التنفيذية واستبدالها بأخرى تكون أكثر تمثيلا لجميع القوى السياسية باستثناء حزب المؤتمر الوطني الحاكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير.
وقال رئيس مجلس السيادة في السودان، عبد الفتاح البرهان، يوم الإثنين، إنه لا حل للأزمة السودانية الراهنة إلّا بحل الحكومة الحالية وتوسيع قاعدة المشاركة.
وتأتي الدعوات في ظل أزمة سياسية عميقة يعيشها التحالف الحاكم بعد انشقاق عدد من التنظيمات وتشكيلها تحالفا موازيا، يحمل اسم ”قوى الحرية والتغيير“ ذاته، حيث ترفع هي الأخرى طلب البرهان نفسه المنادي بحل الحكومة الحالية وتشكيلها من جديد.
وتفجرت الخلافات بين شركاء الحكم من المدنيين والعسكريين في الحكومة الانتقالية إثر مشادات على خلفية محاولة انقلابية فاشلة جرت في الـ21 من أيلول/ سبتمبر الماضي، وأدت الأزمة إلى تعطل اجتماعات المجلس السيادي ومجلس الأمن والدفاع والبرلمان المؤقت.
ابتزاز سياسي
وقال عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير، عبد المطلب الختيم، لـ ”إرم نيوز“ إن رئيس الوزراء يملك الحق الدستوري في حل الحكومة، لكنه من ناحية موضوعية يجب ألّا يحل حكومته إلّا بعد إجراء عملية جرد وتقييم لأداء الوزراء ومدى التزامهم بإنجاز برنامج ومهام الحكومة.
وشدد على أن ”الصحيح ألّا يستجيب رئيس الوزراء لأي دعوات مبنية على أدوات الضغط والابتزاز السياسي لحل حكومتة لأن الحل يجب ألّا يتم إلّا في إطار توافق جميع شركاء المرحلة الانتقالية، وأن يكون ذلك في إطار تحولات وتوافقات تدفع عملية الانتقال الديمقراطي للأمام“.
وأكد الختيم أن القوى المنشقة عن الحرية والتغيير والتي تطالب بحل الحكومة، ممثلة حاليا في هياكل الدولة مثل: حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان، ومجموعة ”أردول وعسكوري“.. وتابع ”بالتالي لا أرى أي مبررات موضوعية للاستجابة لمطالب تدفع في تجاه المزيد من المحاصصات لا الإصلاح السياسي“.
وكانت مجموعة من القوى السياسية، بعضها جزء من الحكومة، وقعت قبل أيام على ”ميثاق التوافق الوطني“، معلنة ميلاد تحالف جديد مواز لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير.
وكان أبرز الموقعين على المشروع الجديد: مني أركو مناوي رئيس حركة جيش تحرير السودان، وجبريل إبراهيم محمد رئيس حركة العدالة والمساواة السودانية، والتوم هجو الشيخ رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، وعلي خليفة عسكوري رئيس التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية، والناظر بشرى الصائم (الإدارة الأهلية)، والجنرال خميس جلاب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وطالبت هذه المجموعة بحل الحكومة الحالية لأنها لا تمثل كل القوى السياسية الثورية، وتقول إن الذين يسيطرون على هذه الحكومة هم أربعة أحزاب اختطفت التحالف الحاكم وسيطرت على مركز صنع القرار السياسي.
تهديد الشراكة
ويستبعد رئيس الهيئة السياسة للتجمع الاتحادي، عز العرب حمد النيل، أن يقدم حمدوك على حل الحكومة ”لأن أي تصرف هكذا دون مشاركة الحاضنة السياسية يمثل تهديدا للشراكة ويفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية لا تقوى البلاد على احتمالها“، حسب قوله.
وقال عز العرب لـ ”ارم نيوز“ إن ”حمدوك اختارته الحاضنة السياسية التي تحولت إلى حاكمة للفترة الانتقالية بأمر الشعب والوثيقة الدستورية التي أسست للشراكة بين المدنيين والعسكريين، وإن أي حديث يدور خارج فناء الشريكين واتفاقهما عن حل للحكومة يدخل في دوائر تقلل من الثورة المجيدة ويتسرب عبر مسامها فلول النظام المندحر“.
وأشار إلى أن ”التحالف الحاكم يتألف من القوى التي وقعت على ميثاق الحرية والتغيير وقادت الثورة ضد نظام البشير حتى سقوطه“، وخلاف هذه القوى يعتبرها عز العرب ”من النوافل التي لم تستطع اللحاق بالنضال في وقت الشدة وتريد أن تستأثر بـ (ضل الضحى) في ثورة سلمية عجزت 83 حركة مسلحة عن القيام بما قامت به سلميتها“.
وتضم القوى التي وقعت على إعلان الحرية والتغيير في الأول من كانون الثاني/ يناير 2019، كلا من ”تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الإجماع الوطني، ونداء السودان، والتجمع الاتحادي، والمجتمع المدني“.
يشار إلى أن حركتي ”العدل والمساواة، وتحرير السودان“ كانتا جزءا من قوى نداء السودان، الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، لحظة اندلاع الثورة ضد نظام البشير.
انقلاب ناعم
من جانبه يرى الباحث والمحلل السياسي، خالد الفكي، أن دعوة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، بحل الحكومة وتشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة، تأتي في سياق محاولات تعطيل مسار التحول الديمقراطي وتثبيت أركان الدولة المدنية، إذ إنه وفقا للوثيقة الدستورية فإن تشكيل الحكومة من مهام واختصاصات رئيس الوزراء، وبالتالي لا يمتلك البرهان أي سند دستوري ولا قانوني للمضى في هذه الدعوة.
وقال الفكي لـ ”إرم نيوز“ إن دعوة البرهان جاءت متزامنة مع دعوات لقادة الحرية والتغيير ”تيار التوافق الوطني“؛ ما يرجح وجود مخطط وتنسيق ما بين مكونات عسكرية ومدنية للانقضاض على تحالف قوى الثورة الفعال حاليا في الساحة.
وأضاف ”يمكن أن نسمي ما يجري بأنه انقلاب ناعم دون استخدام البنادق وغير مستبعد وجود أياد خارجية توفر غطاء إقليميا ودوليا في ظل تأكيد الولايات المتحدة الأمريكية ودول الترويكا على مدنية الدولة السودانية“.
لكن الفكي يؤكد أن ”جماهير الشعب لن تقف مكتوفة الأيدي وستنفجر في وجه من يريد إعادة عهد الدكتاتورية والتسلط مجددا على السودانيين بزعم الحفاظ على الأمن وسيادة الدولة“.
سيناريو مستقبلية
وذكر خالد الفكي أن ”هناك مفاصلة حاليا بين العسكريين والمدنيين من خلال إيقاف مؤسسات الشراكة خاصة مجلس السيادة والشركاء والأمن والدفاع والمجلس التشريعي المؤقت“، ويتوقع أن ”يمضي سيناريو الضغط على قوى الثورة الحية بتكوين الحاضنة الجديدة المساندة للعسكريين وصناعة رأي عام بتكوين حكومة جديدة؛ ما يعني صداما لا محالة بين هذه القوى والشارع“.
من جهته يقول طلب الختيم إن ”هنالك سناريوهين للمشهد المقبل؛ إما أن تستمر حالة التنازع غير الموضوعي واستخدام سياسة اللعب على حبال المساومة والضغط والتسابق في مضمار كسب سخط الشعب ضد أحد الأطراف حتى ينهار الحكم على رؤوس الجميع، وهو السيناريو الأسوأ، وإما أن تستجيب الأطراف لصوت العقل ويتوافقوا على إدارة حوار شامل حول جميع القضايا محل الخلاف يكون ثمرتة التوافق على رؤية تخرج البلاد من حالة الانسداد السياسي وتفضي لحلول تسهم في هيكلة أجهزة الدولة على النحو الذي يجعلها قادرة على إنجاز ما تبقى من مهام الانتقال“.
وتقول الوثيقة الدستورية إن الحكومة يختارها رئيس الوزراء من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، وأطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان، على أن يعتمد مجلس السيادة جميع الأعضاء ومن بينهم وزيرا الدفاع والداخلية اللذان يرشحهما المكون العسكري بمجلس السيادة.
وتواجه الشراكة بين ”المدنيين والعسكريين“ في الحكومة الانتقالية بالسودان تحديات بالغة التعقيد، بعد أن هبت عليها عواصف الخلافات، وأوصلتها إلى مرحلة تعليق الاجتماعات الرسمية المشتركة.
وجرت خلال الأيام الماضية وساطات بين الطرفين في محاولة لإنهاء الخلافات وإنقاذ الشراكة التي باتت تترنح، بعد أن قطعت نصف الفترة الانتقالية في طريق العبور إلى التحول الديمقراطي المنشود وفق الوثيقة الدستورية الحاكمة.
Comments are closed.