موسكو (عربي times)
تُعدّ منطقة دونباس، التي تسيطر عليها روسيا بشكل كبير، عنصرًا أساسيًا في احتمال التوصل إلى اتفاق سلام بين الروس والأوكرانيين. هذه المنطقة التي تمثل رصيدًا اقتصاديًا وسياسيًا هامًا باتت هاجسا رئيسيا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وفي خضم الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ أكثر من 3 سنوات ونصف السنة ثمة منطقة واحدة استحوذت على كامل اهتمام فلاديمير بوتين: دونباس، التي تمثل مفتاح السلام، وإحدى ركائز بوتين في حربه.
ورغم أنه لم يتم الإعلان عن أي شيء رسميا منذ القمة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين التي عقدت في ألاسكا في 15 أغسطس/آب، فإن الرئيس الروسي وضع، وفقا لعدة مصادر، على الطاولة قائمة محددة من الشروط بهدف حل النزاع، وفق تقرير لموقع “توت لوروب”.
هذه الخطة، التي نوقشت في البيت الأبيض يوم الاثنين 18 أغسطس/آب، بحضور عدد من المسؤولين الأوروبيين، تشترط، من بين أمور أخرى، عدم انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاعتراف بشبه جزيرة القرم كجمهورية روسية. والأهم من ذلك، أنها تنص على تبادل للأراضي.
وبهذا المعنى، سيكون بوتين على استعداد لإعادة الأراضي المحتلة في منطقتي سومي وخاركيف مقابل منطقتي لوغانسك ودونيتسك (الوحدات الإدارية)، اللتين تحتلهما القوات الروسية حاليًا بنسبة 99% و79% على التوالي، وفقًا لبيانات المعهد الأمريكي لدراسة الحرب (ISW).
وتُشكل هاتان المنطقتان معًا منطقة دونباس، وهي حوض صناعي وفحم ذو أهمية تاريخية واقتصادية لأوكرانيا… وبالتالي لروسيا.
جغرافيًا، تُعدّ منطقة دونباس، وهي اختصار لكلمة “دون” (النهر) و”الحوض” (التعدين)، منطقةً مساحتها 55,000 كيلومتر مربع، متصلة بروسيا شرق أوكرانيا، وهي حوض صناعي كبير غني بالفحم وخام المعادن. ترتبط هذه المنطقة ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ الروسي، إذ كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي وشهدت طفرة صناعية كبيرة في عهد ستالين، هاجرت إليها موجات عديدة من العمال الروس، ولا تزال المنطقة حتى اليوم ذات أغلبية ناطقة بالروسية.
وترمز دونباس أيضًا إلى معارضة حركة الميدان المؤيدة لأوروبا. في عام 2014، حمل الانفصاليون الموالون لروسيا السلاح هناك وأعلنوا جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، اللتين اعترف بهما فلاديمير بوتين قبل 3 أيام من بدء الحرب على أوكرانيا.
وبالنسبة للرئيس الروسي، تُشكل هذه المنطقة جزءًا لا يتجزأ من روسيا، وتمثل أحد المبررات الرئيسية للهجوم، الذي يقول إنه يُشن “لحماية الناطقين بالروسية”، وهكذا، يبدو غزو دونباس هدفًا حربيًا محوريًا، ومن المرجح أن يمنح موسكو نتيجة تُقدم على أنها “مشرفة”.
تُمثل دونباس أيضًا موردًا اقتصاديًا هامًا. ففي بلدٍ يُعرف أساسًا بالزراعة، تتميز هذه المنطقة بوفرة مواردها الجوفية: مجموعة واسعة من المعادن (الحجر الجيري، والدولوميت، والكوارتزيت، والطباشير، والأردواز، وغيرها)، بالإضافة إلى رواسب استراتيجية كالليثيوم، والغاز الصخري، والغاز الطبيعي.
وتُشكّل دونباس وحدها جزءًا كبيرًا من ثروة أوكرانيا. في عام 2013، شكّلت دونيتسك ولوغانسك ما يقرب من ربع الناتج الصناعي الأوكراني، و14 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وربع صادراتها، وأكثر من عُشر عائداتها الضريبية.
وبعد عقد من الصراع، أصبح هذا الاقتصاد الآن في حالة ركود، ومع ذلك، لا يزال منجم كومسوموليتس للفحم في دونباس الأكثر إنتاجية في البلاد، حيث يُنتج 1037 مليون طن من الفحم سنويًا، وتشمل أبرز شركاته الرائدة المُتقادمة والمُوجّهة نحو التصدير: أزوفستال وإيليتش (الصلب) في ماريوبول، ودونيتسكال (الميكانيكا) في دونيتسك، وأزوت (الكيماويات) في سيفيرودونيتسك، ولوغانسكتيبلوفوز (القاطرات) في لوغانسك… لكن العديد من هذه الشركات تأثرت أو دُمرت كنتيجة مباشرة للحرب.
علاوة على ذلك، تضم المنطقة ما يقرب من 2.8 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، مما يُمثل تحديًا زراعيًا كبيرًا لموسكو. هذه الأهمية ليست بجديدة، إذ كانت دونباس تُعتبر بالفعل إحدى الرئتين الاقتصاديتين للاتحاد السوفيتي.
وسبق للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن صرّح بأن الانسحاب من دونباس أمرٌ غير وارد، فهي أحد أهم محاور الحرب. ورغم التقدم الملحوظ الذي نوقش في واشنطن في 18 أغسطس/آب، لا يزال يُصرّ على رفضه تقديم أي تنازلات إقليمية، سواءً هنا أو في أي مكان آخر، مُستشهدًا بالدستور الأوكراني تحديدًا.
ويقول التقرير إنه “إلى جانب المخاطر السياسية لفولوديمير زيلينسكي، فإن التخلي عن دونباس سيُكلف الأوكرانيين خسائر بشرية فادحة. وتُقدّر السلطات أن حوالي 200 ألف شخص لا يزالون يعيشون في المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها. كما أن الانسحاب ينطوي على مخاطر عسكرية: فوفقًا لمعهد دراسات الحرب، ستكون القوات الأوكرانية عُرضة للخطر بشكل خاص في مثل هذه الحالة، ولن يكون الانسحاب ممكنًا إلا في حال وجود وقف إطلاق نار راسخ ونشر قوة فاصلة قادرة على ضمان حفظ السلام.
وخلص التقرير إلى القول إن “ضم دونباس، وهي منطقة حدودية يسهل على موسكو إمدادها، سيمثل في نهاية المطاف وسيلةً لفلاديمير بوتين لصد الجيش الأوكراني وإضعاف البلاد، التي لا تزال ترغب في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) حفاظًا على أمنها. فهو أكثر من مجرد “مكسب اقتصادي”، بل يُشكل قبل كل شيء قفلًا استراتيجيًا على الممر البري المؤدي إلى شبه جزيرة القرم، التي ضُمت عام 2014”.
Comments are closed.