باريس (عربي times)
كشفت أزمة مضيق هرمز عن تحوّل عميق في مفهوم حرية الملاحة، حيث لم تعد البحار فضاءات مفتوحة كما في السابق، بل أصبحت ساحات نفوذ وصراع بين القوى الكبرى، وهذا التحوّل يعيد طرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل القانون الدولي البحري.
وفي ظل تصاعد التوتر، تشير المعطيات إلى أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل أصبحت اختبارًا عالميًّا لمبدأ حرية الملاحة، خاصة مع تراجع الهيمنة الأمريكية وتنامي أدوار قوى أخرى، ما يعكس تغير قواعد اللعبة البحرية.
بحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية، الخميس 16 أبريل 2026، يرى الصحفي جوليان بويسو، أن أزمة مضيق هرمز تؤكد أن البحار لم تعد مساحات للحرية، بل “أراضٍ يمكن شراء السيطرة عليها وبيعها”، مضيفًا أن سيطرة إيران على المضيق تكشف أهمية القانون الدولي عندما يتم احترامه.
ويعكس هذا التحول تراجع الدور الأمريكي، حيث لم تعد الولايات المتحدة، في عهد دونالد ترامب، الحارس التقليدي لحرية الملاحة، ومع صعود الصين ومطالبتها بالسيادة في بحر الصين الجنوبي، تتزايد النزاعات البحرية وتتراجع فكرة الانفتاح العالمي.
أوضحت الصحيفة أن أزمة مضيق هرمز بيَّنت كيف أصبحت الممرات البحرية أدوات ضغط اقتصادي، فالمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من النفط العالمي يمنح إيران قدرة هائلة على التأثير في الأسواق، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي.
وأشار التقرير إلى أن فرض رسوم عبور من قبل الحرس الثوري الإيراني يمثل خرقًا غير مسبوق لقواعد حرية الملاحة، ويعيدنا إلى نماذج تاريخية قديمة، هذا الواقع يعزز فكرة أن السيطرة البحرية أصبحت جزءًا من اقتصاد “الريع” العالمي.
في سياق أزمة مضيق هرمز، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تقويض نفوذ إيران عبر الحصار البحري، إلا أن أهدافه تبدو معقدة، حيث يشير التقرير إلى أن واشنطن لا تدافع فقط عن حرية الملاحة، بل تسعى أيضًا لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
ويبرز مثال السفن التجارية، سفينة حاويات تابعة لمجموعة “سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM) الفرنسية، التي حصلت على إذن عبور من طهران أوائل أبريل 2026، ما يعكس واقعًا جديدًا حيث تضطر الشركات للتعامل مع شروط سياسية معقدة لضمان مرورها.
ويرى جوليان بويسو أن أزمة مضيق هرمز تمثل بداية مرحلة جديدة، حيث تتحول البحار إلى مناطق نفوذ خاضعة للمساومة، مؤكدًا أن فكرة حرية الملاحة التي دعمت العولمة لعقود باتت مهددة بشكل غير مسبوق.
وأوضح أن العالم يدخل عصرًا جديدًا من الصراعات البحرية، حيث لم تعد القوانين وحدها كافية، بل أصبحت القوة والنفوذ هما المحددان الأساسيان، في ظل تراجع الالتزام الدولي واشتداد المنافسة بين القوى الكبرى.
Comments are closed.