رسالة مجهولة لنزار قباني تثير تفاعلا واسعا

دمشق (عربي times)

حالة من التفاعل الواسع أحدثها نشر رسالة مجهولة للشاعر الأشهر نزار قباني موجهة إلى الفقيه والمفكر السوري مصطفى الزرقا، حيث رأى مثقفون ونشطاء أنها تعد وثيقة أدبية نادرة تحمل العديد من المفارقات وتكشف جانبا لافتا في شخصية قباني.

وتحمل الرسالة، التي كُشف عنها مؤخرا، كلمات مفعمة بالامتنان والتقدير من “شاعر المرأة والعشق”  إلى “شيخ الفقه والأحكام الشرعية”، في واقعة تسلط الضوء على قيم التسامح والتقدير، رغم ما قد يعتبره البعض “تناقضا بين عالمين مختلفين”، بحسب توصيفات لمتابعين.

وكان لافتا أن قباني وصف الشيخ بـ “الأستاذ” و”المعلم الكبير” رغم مرور أكثر من نصف قرن على سنوات الدراسة التي جمعتهما في كلية الحقوق بجامعة دمشق.

في رسالته المؤرخة في 25 يوليو 1996 من لندن، استعاد نزار قباني ذكريات دراسته على يد مصطفى الزرقا، مؤكدًا أنه كان أحد طلابه الذين نهلوا من علمه واستضاءوا بمعرفته.

ووصف أستاذه بأنه نموذج لعصر التنوير، وقارنه بأعلام كبار في الحضارة العربية مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي، في مقاربة تعكس حجم التقدير الذي يكنه له، ويؤكد أن أثر المعلم الحقيقي يمتد لعقود طويلة، حتى لو أصبح تلميذه أشهر شعراء العالم العربي.

ولعل أكثر ما جذب اهتمام المتابعين هو الطريقة التي استقبل بها نزار تجربة أستاذه الشعرية، بعدما أهداه الأخير نسخة من ديوانه “قوس قزح”، فقد خاطبه بوصفه “الزميل الشاعر”، كما رسم صورة فنية آسرة لعالمه الشعري.

واعتبر أن الشيخ ألقى جانبًا هيبة العالم والأكاديمي لينغمس في عالم القصيدة، ثم ختم عباراته بتهنئة طريفة قال فيها إنه “ارتكب إثم الشعر”، قبل أن يؤكد أن الشعر في نظره هو “نقاء النقاء وطهارة الطهارة”، وهي من أكثر العبارات التي لاقت تداولًا وإعجابًا بعد نشر الرسالة.

كما حملت الرسالة إشادة خاصة بديوان “قوس قزح”، إذ رأى نزار أنه جاء في زمن مثقل بالاضطرابات ليحمل رسائل الأمل والسلام والجمال، من خلال صور الحمام والياسمين والحب.

وزاد من قيمة الرسالة أنها كشفت جانبًا من أخلاق نزار قباني، إذ أظهرت احتفاظه بعلاقة احترام عميقة تجاه أستاذه، رغم وجود خلافات فكرية وأدبية قديمة بينهما.

ورأى متابعون أن سر التفاعل الكبير مع الرسالة لا يعود فقط إلى أنها وثيقة تنشر لأول مرة، بل لأنها تقدم صورة نادرة عن علاقة الأستاذ بتلميذه في الثقافة العربية، والتي تقوم على الاعتراف بالفضل والامتنان، بعيدًا عن المنافسة أو السجالات الجدلية.

من هو الشيخ مصطفى الزرقا؟
ويعد الشيخ مصطفى الزرقا أحد أبرز فقهاء الشريعة الإسلامية السوريين في القرن العشرين، كما يُعد من أهم رواد الربط بين الفقه الإسلامي والقانون المدني الحديث.

وُلد في مدينة حلب السورية عام 1904 في أسرة علمية عريقة، وتلقى علومه الشرعية واللغوية على يد والده الشيخ أحمد الزرقا وعدد من كبار علماء الشام، قبل أن يتجه إلى دراسة الحقوق، وهو ما كوّن شخصيته العلمية التي جمعت بين الفقه التقليدي والدراسات القانونية الحديثة.

أسهم في تخريج أجيال من القانونيين والمفكرين، ومن بين طلابه كان الشاعر السوري نزار قباني، الذي درس على يديه خلال العامين الدراسيين 1944 و1945.

توفي عام 1999 بعد مسيرة امتدت أكثر من سبعة عقود في التدريس والتأليف والإفتاء، اكتسب فيها مكانة أكاديمية كبيرة بفضل محاولاته تقديم الفقه الإسلامي بلغة قانونية معاصرة.