مَن يدفع فاتورة الحرب على إيران؟ ومَن يجني أرباحها؟

لندن (عربي times)

مع اتساع الحرب على إيران، لم تعد تداعياتها محصورة في ساحات القتال، بل امتدت سريعا إلى الاقتصاد العالمي، فأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والملاحة الدولية بدأت تتأثر بوضوح، مما يعكس حقيقة أن الحروب الحديثة تعيد رسم خرائط الأرباح والخسائر بعيدا عن الميدان.

وفي هذا السياق لم يعد السؤال الأهم من ينتصر عسكريا، بل من يتحمل الكلفة الاقتصادية للحرب، ومن يجني أرباحها في الخلفية، فكل تصعيد عسكري يفتح في المقابل معركة موازية في أسواق الطاقة والنقل والصناعات العسكرية.

عبر الشاشة التفاعلية، عرضت سلام خضر صورة أولية لهذه التداعيات، موضحة أن التأثير الاقتصادي للحرب يرتبط أساسا بالمضائق البحرية الحيوية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.

وتشير سلام خضر إلى أن التوتر العسكري دفع عددا من شركات الشحن العالمية إلى تجنب المرور عبر هذه الممرات، واختيار طرق أطول عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، مما يزيد زمن الرحلات البحرية ويرفع كلفة النقل.

أفريقيا تتأثر بالأزمة

كما بدأت اقتصادات بعيدة عن الصراع تشعر بآثار الأزمة. فأفريقيا، التي تعتمد على المطارات في الشرق الأوسط بوصفها حلقة وصل مع أوروبا، تواجه صعوبات متزايدة في حركة الشحن الجوي وتصدير منتجاتها الزراعية.

وتُعد أفريقيا من بين المتضررين من التصعيد، إذ تعتمد القارة بدرجة كبيرة على المطارات في الشرق الأوسط بوصفها محطة عبور رئيسية نحو أوروبا، كما تمر صادراتها الزراعية جوا عبر أجواء المنطقة، مما يهدد حركة التجارة ويزيد كلفة النقل.

وتضيف سلام خضر أن بعض الدول الأفريقية المنتجة للنفط قد تستفيد لاحقا من ارتفاع الأسعار، لكن الخسائر المباشرة في النقل والتجارة تبدو أكثر إلحاحا في المدى القريب.

وتكمن خطورة التوتر في مضيق هرمز في حجمه الحيوي للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20% من النفط المنتج عالميا، إضافة إلى 25% من النفط المنقول بحرا في العالم.

ولا تقتصر أهمية المضيق على الطاقة فقط، إذ تمر عبره أيضا نحو 30% من تجارة الأسمدة الزراعية، إضافة إلى ما يقارب 60% من الكبريت المنتج عالميا والمتجه إلى الأسواق الصناعية.

الأكثر تأثرا بالأزمة

هذه المعطيات تجعل دولا صناعية كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند من بين الأكثر تأثرا بالأزمة، نظرا لاعتماد صناعاتها بدرجة كبيرة على نفط الشرق الأوسط.

وقد اضطرت الهند بالفعل إلى زيادة مشترياتها من النفط الروسي لتعويض تعثر الإمدادات من المنطقة، وهو ما منح روسيا فرصة لتعزيز موقعها في سوق الطاقة العالمية.

وفي قراءة أوسع لهذه التحولات، يرى الأكاديمي والخبير بسياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري أن الحرب رسخت منذ بدايتها ما يسميها “إستراتيجية رفع الكلفة”.

ويقول الزويري إن إسرائيل سعت إلى رفع الكلفة على إيران بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما ردت طهران بتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، مما يعني نقل الكلفة الاقتصادية إلى العالم بأسره.

ويضيف أن هذه المعادلة جعلت مفهوم الربح والخسارة أكثر تعقيدا، لأن تأثير الحرب لم يعد يقتصر على الأطراف المتحاربة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

ويرى الخبير نفسه أن روسيا تُعد من أبرز المستفيدين من الأزمة، إذ عززت صادراتها النفطية مستفيدة من إعفاء مؤقت سمح للهند بشراء النفط الروسي رغم العقوبات.

كما استفادت الصين من استمرار استيراد النفط الإيراني خلال الحرب، في وقت كانت فيه معظم الأسواق العالمية تتجنب التعامل مع الإمدادات القادمة من إيران.

لكن في المقابل تواجه الاقتصادات الأوروبية ضغوطا متزايدة بسبب اضطراب أسواق الطاقة، مما دفع دولا مثل ألمانيا وفرنسا إلى الضغط باتجاه وقف الحرب خوفا من تضخم اقتصادي أوسع.

حساسية مضيق هرمز

وفي نافذة تحليلية أخرى، عرض الزميل محمود الكن عبر الشاشة التفاعلية صورة ميدانية للتوتر في مضيق هرمز، موضحا أن هذا الممر البحري يمثل شريان النقل البحري الأهم للطاقة في المنطقة.

ويبلغ عرض مضيق هرمز نحو 80 كيلومترا، لكن الممرات الصالحة لعبور ناقلات النفط الضخمة لا تتجاوز 10 كيلومترات في كل اتجاه، مما يجعل الملاحة فيه شديدة الحساسية لأي تصعيد.

وقد أدى استهداف سفن مختلفة في المنطقة إلى تعطيل جزء من حركة الملاحة، وسط مخاوف من ألغام بحرية، رغم تمكن ناقلة نفط تركية تُدعى “روزانة” من عبور المضيق بعد تنسيق مع الجانب الإيراني.

اقتصاديا، لا تقتصر الكلفة على اضطراب الطاقة فقط، إذ أدى التصعيد أيضا إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتعطل حركة التجارة العالمية.

وفي هذا السياق، يوضح حاتم غندير رئيس القسم الاقتصادي في قناة الجزيرة أن الحروب الحديثة تتسم بكلفة مالية مرتفعة بسبب اعتمادها على الطائرات والصواريخ والأنظمة العسكرية المتطورة.

وتشير التقديرات إلى أن الحرب قد تكلف الولايات المتحدة ما بين 40 و100 مليار دولار إذا طال أمدها، في حين بلغت كلفة الأسبوع الأول من العمليات العسكرية نحو 11.3 مليار دولار مع توقعات بتمويل إضافي يصل إلى 50 مليار دولار.

أما في إسرائيل، فتشير تقديرات وزارة المالية إلى خسائر اقتصادية تبلغ نحو 3 مليارات دولار أسبوعيا بسبب توقف الأنشطة الاقتصادية، مع حاجة الموازنة إلى دعم إضافي بنحو 13 مليار دولار.

ورغم هذه الكلفة الكبيرة تظهر قطاعات أخرى بوصفها المستفيد الأكبر من التصعيد، وعلى رأسها الصناعات العسكرية والطاقة.

فقد ارتفعت أسهم شركة “لوكهيد مارتن” المصنعة للطائرات العسكرية بنحو 4%، وكذلك أسهم شركة “آر تي إكس” المنتجة لصواريخ باتريوت، بينما ارتفعت أسهم شركات النفط الكبرى بنحو 1% وقفزت أسهم شركات النفط الصخري الأمريكية بنحو 10%.

ومن واشنطن، يرى كبير المحللين السياسيين والاقتصاديين لورانس فريمان أن تمويل الحرب يأتي أساسا من مخصصات الإنفاق التي يوافق عليها الكونغرس الأمريكي، مما يعني زيادة الاستدانة الحكومية.

ويؤكد فريمان أن دافعي الضرائب في الولايات المتحدة هم من سيتحملون في النهاية الكلفة الحقيقية للحرب، سواء عبر ارتفاع الدين العام أو من خلال التضخم وارتفاع أسعار الوقود.

المصدر: الجزيرة

Comments are closed.