تُعد السياسات المالية والنقدية إحدى أهم الأدوات التي تستخدمها الحكومات لتحقيق أهدافها الاقتصادية والتنموية. وعلى الرغم من أن الأهداف والغايات متشابهة في كلتا السياستين، إلا أن هناك بعض الفروق الجوهرية بينهما. فالسياسات المالية تعتمد في الأساس على التحكم في معدلات الضرائب ومعدلات الإنفاق الحكومي، وعادة ما تقوم السلطة التنفيذية بالتعاون مع السلطة التشريعية بتنفيذ تلك السياسات. أما بالنسبة للسياسات النقدية فتعتمد في الأساس على التحكم في معدلات الفائدة وحجم المعروض النقدي المتداول في الأسواق، وعادة ما تقوم البنوك المركزية بتنفيذ تلك السياسات.
في الواقع فإن معظم الحكومات توظف كلتا السياستين لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي، ففي حالة الركود الاقتصادي (الانكماش) تتخذ الحكومات سياسات مالية توسعية عن طريق تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق، وذلك من أجل التحفيز الاقتصادي وتحقيق نوع من النمو الاقتصادي، كذلك في نفس الوقت قد تقوم بعض الحكومات باتِّباع سياسات نقدية توسعية، وذلك عن طريق تخفيض سعر الفائدة وشراء الأوراق المالية من الأفراد، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى ضخ السيولة النقدية في الأسواق، كما تفعل الكثير من البنوك المركزية في مختلف دول العالم في وقتنا الحالي بسبب الآثار المترتبة على جائحة “كوفيد19″، والعكس صحيح يحدث في حالة الانتعاش وارتفاع معدلات التضخم، حيث تقوم الحكومات باتِّباع سياسات مالية ونقدية معاكسة تماما (انكماشية). ففي جانب السياسة المالية تقوم الحكومات برفع معدلات الضرائب، كما تقوم بتخفيض الإنفاق الحكومي بغية السيطرة على الإنفاق الاستهلاكي وتخفيض التضخم. أما في جانب السياسة النقدية فإن البنك المركزي يقوم برفع أسعار الفائدة وبيع الأوراق المالية للأفراد بغية سحب السيولة من الأسواق للتخفيف من حدة التضخم.
ما أستطيع قوله إن السياسة النقدية تهدف في الأساس إلى السيطرة على معدلات التضخم وكمية النقود المتداولة في الأسواق، وتحرص أيضا على استقرار العملة المحلية. أما بالنسبة للسياسة المالية فتهدف في الأساس للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي للبلد، وتحقيق معدلات نمو مقبولة.
ومن وجهة نظري أرى أن اتِّباع سياسة نقدية أفضل من اتِّباع سياسة مالية في معالجة المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد، وذلك راجع لعدة أسباب، منها ـ على سبيل المثال ـ أن السياسة النقدية أسرع في التطبيق من السياسة المالية التي تحتاج لبعض الوقت لإقرارها وتمريرها من خلال السلطة التشريعية (البرلمان أو مجالس الشورى)، بينما يستطيع البنك المركزي تغيير أسعار الفائدة بسهولة وبشكل دوري، كما يحدث في الكثير من دول العالم. إن مثل هذا التأخير في معالجة المشكلات الاقتصادية قد يعمق من الأضرار الاقتصادية الناتجة من حالة عدم الاستقرار في الأسواق، أيضا قد يكون هناك تأثيرات جانبية لبعض السياسات المالية. ففي حالة التضخم أو تراجع الإيرادات الحكومية قد تلجأ بعض الدول إلى رفع الضرائب، والذي قد يكون غير مقبول على المستوى الشعبي، وقد يتسبب في بعض الاضطرابات السياسية، كما أن سياسة رفع الضرائب قد تكون لها آثار كارثية على الطبقة الفقيرة إذا لم يتم استثناؤها من تلك الضرائب، أضف إلى ذلك أن سياسة رفع الضرائب قد يؤثر بشكل كبير على القوة الشرائية للأفراد، وقد يكون لذلك تداعيات على معدلات الاستهلاك والإنتاج معا، أيضا في حالة الانكماش قد يؤدي زيادة الإنفاق الحكومي إلى منافسة القطاع الخاص وانخفاض شهية القطاع الخاص للاستثمار في المشاريع المختلفة.
لقد اكتسبت السياسات النقدية زخما متزايدا في السنوات الأخيرة، خصوصا في الدول المتقدمة اقتصاديا والتي سعت إلى تخفيض أسعار الفائدة وضخ الكثير من السيولة في الأسواق لتجاوز الكثير من الأزمات الاقتصادية التي مرت بها، وهذا ما نراه بوضوح خلال الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انتشار جائحة “كوفيد ١٩”، حيث قام الكثير من البنوك المركزية في دول العالم بخفض أسعار الفائدة، وضخت الكثير من السيولة في الأسواق على الرغم من المخاطر التي تحملها تلك السياسة، وهذا يشير بوضوح إلى مدى فعالية السياسات النقدية في التعامل مع مثل تلك الأزمات.
خالد الصالحي:
كاتب عماني
Comments are closed.