صنعاء (عربي times )
انقضت أيام عيد الأضحى المبارك، ناشرة الفرح على شعوب عديدة، لكن اليمنيين لم يشعروا بسعادة اعتادوها في هذه الأيام المباركة.
إنهم في اليمن يمرون بوضع سيئ من جراء الحرب التي تسببت في دمار كبير بالبنى التحتية، وظهور فقر وأمراض لم تشهدها هذه البلاد من قبل؛ ما جعل الأسر اليمنية تبتعد عن عاداتها المتوارثة في العيد.
عادات العيد، بطبيعة الحال، مبنيَّة على الفرح والسعادة، غيبت الحرب عنهم العيد.
ومع استمرار الحرب التي عرفها اليمن منذ 2015، بدأت دائرة أفراح اليمنيين تضيق رويداً رويداً، فحُرِموا من السفر للمناطق السياحية الداخلية، ونتيجة تقاسم السيطرة على المدن من قِبل أطراف النزاع، حُرم اليمنيون من زيارة أقاربهم وذويهم في مدن أخرى.
وأثّر الوضع الاقتصادي الذي خلَّفته الحرب، على بهجة الأطفال، الذين كانوا يتلقون العيدية أو ما يُعرف بـ”العَسْب” من الأهل والجيران في أيام العيد، لتصبح أيام العيد كباقي أيام الحرب.
وتقود السعودية والإمارات، منذ عام 2015، تحالفاً عربياً ينفذ عمليات عسكرية في اليمن، دعماً للقوات الحكومية في مواجهة الحوثي، التي تسيطر على عدة محافظات بالبلاد، بينها صنعاء، منذ 2014.
وقُتل في الحرب اليمنية، منذ تدخُّل التحالف العربي، قرابة 10 آلاف يمني، في حين أصيب أكثر من 53 ألف شخص، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية.
وبحسب الأمم المتحدة، يشهد اليمن “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، فضلاً عن أنه يواجه خطر المجاعة.
عبد الواحد عامر، وهو رب أسرة مكونة من تسعة أفراد يسكنون محافظة الحديدة، غربي البلاد، عبّر عن ألمه في عيد لا يتعدى المَثل “العيد عيد العافية”، حسب قوله.
وأضاف عامر ، أن الأوضاع التي تعيشها محافظة الحديدة اضطرته إلى قضاء العيد في بيته دون الخروج حتى للسوق؛ نظراً إلى الظروف المعيشية الصعبة التي يمرّ بها.
وتابع يقول: “عجزي التام عن القيام بواجبي لإسعاد أسرتي يقتلني كل يوم. لم أستطع رسم الابتسامة المعتادة على وجوه أطفالي المرعوبين من الحرب والموجوعين من الفقر”.
وتقطّعت السبل بكثير من الأسر في محافظة الحديدة نتيجة المواجهات هناك، ولم تلتمّ كثير من العائلات.
بالإضافة إلى ذلك، تقضي أسرٌ العيدَ في وضع نزوح مؤلم أفقدهم الأمان والاستقرار، ومنع عنهم لقاء الأهل والأقارب.
يسرد عامر يومياته في الأعياد قبل الحرب، ويتحسر لما آلت إليه أوضاعه؛ فقد كان يأخذ أسرته في نزهة خارج المدينة، ويقضي آخر أيام العيد في حدائق ومتنزهات الحديدة وبحرها، لكنه يقول: إن “كل تلك المناطق باتت مهجورة، حالها حال المدينة التي لم يستطع كثيرون مغادرتها لضيق الحال والتشرد الذي يعانيه النازحون”.
واعتبر عامر أنّ “الوضع كارثي ويدمر نفسية السكان والأطفال خصوصاً، وينزع منهم فرحتهم وعيدهم، وهم يترقبون الخوف والفزع كل لحظة”.
ولم تتوقف المواجهات العسكرية التي تقودها الإمارات في الساحل الغربي؛ بل لم تترك فرصة لليمنيين لالتقاط أنفاسهم، وتُوفي مدنيون لحظة نزوحهم من مديرية الدريهمي جنوبي الحديدة بالقصف أو الألغام.
وفي حين كان الناس يستعدون لعيد الأضحى، كانت أسر تقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام؛ هرباً من الموت الذي واجهوه في المديرية.
عامر أشار إلى أن الأطفال في الحديدة ومحافظات أخرى “حُرموا من حقهم في الحياة وفرحتهم بالعيد، وعاشوا معاناة مريرة ستظل ترافق حياتهم سنوات قادمة”.
وانعكس الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد على حياة اليمنيين، وتقلصت مساحة فرحتهم، واختفت الكثير من الكماليات في حياتهم، واعتمدوا على جزء يسير من الأساسيات للاستمرار في الحياة؛ وهو الأمر الذي جرّدهم من الفرحة في عيد الأضحى المبارك وقبله أعياد كثيرة.
وإلى جانب الآثار النفسية التي تخلفها الحرب؛ لم يَسلم أطفال اليمن من الاستهداف المباشر من قِبل أطراف الصراع في اليمن؛ حيث قضى الآلاف في قصف جوي ومدفعي ونتيجة الألغام.
ومع استمرار الحرب وانقطاع الأسر اليمنية بعضها عن بعض، تحوَّل العيد في اليمن إلى تهانٍ ومعايدات على وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الاتصالات المتاحة، واكتفى كثيرون بالتواصل مع ذويهم من خلال تلك الوسائل دون زيارتهم.
أستاذ علم الاجتماع رؤوف سعيد، اعتبر البدائل التي يستخدمها اليمنيون في تواصلهم بعضهم مع بعض لا تكفي لبناء شعور الأمان والرضى، ولا تمثّل بديلاً للزيارات الميدانية بين الأسر اليمنية.
وأشار سعيد ، إلى أن “روابط الأسرة اليمنية تتفتت مع عدم احترام الحرب أي مبادئ وأخلاقيات وقيم الإنسانية”.
ولفت الانتباه إلى أن “وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تساعدهم في ردم الفجوة والفراغ الذي يفرضه البعد والانقطاع وقسوة الحياة، وهي فقط تساعدهم على التخفيف من الشعور بالاغتراب”.
ولأن الفضاء الإلكتروني يختلف تماماً عن الواقع، يقول سعيد، “فذلك يهدد كيان الأسرة ويسلب الحقوق الأسرية بين العائلات، ومع الأيام سيجد اليمنيون أنفسهم بعيدين عاطفياً وروحياً عن أنفسهم، ويعانون انفصاماً ما بين واقعهم وما يعايشونه”.
وتعتبر وسائل التواصل الوسيلة الوحيدة لآلاف اليمنيين الذين فرَّقتهم الحرب أكثر من ثلاثة أعوام، لكن سعيد يؤكد أن “سلبياتها أكثر من إيجابياتها، ويجب أن يُتاح للجميع زيارة أهلهم والنزول الميداني إلى جميع المناطق التي يريدون زيارتها، فالأسرة هي روح المجتمع وأساس تكوين الدولة”.
ويرى سعيد أن “العيد في اليمن لم يعد يمثل مناسبة فرح حتى عند الأطفال، الذين نمت داخلهم مشاعر الخوف والقلق والحزن، وفقدت الأسرة اليمنية صورة السعادة في كل ما يحيط بها”، لافتاً النظر إلى أن “هذه الحرب ستنتج جيلاً يعاني أزمات نفسية يصعب التعامل معها في المدى القصير”.
نقلا عن الخليج اونلاين
Comments are closed.