واشنطن (عربي times)
أعاد النجاح الذي حققه فيلم “الأوديسة” للمخرج البريطاني كريستوفر نولان تسليط الضوء على قدرة الأساطير القديمة على صناعة أعمال سينمائية ضخمة، لكنه فتح في المقابل باباً لسؤال آخر: لماذا لا تجد الملاحم العربية طريقها إلى الشاشة العالمية بالزخم نفسه؟.
فالموروث العربي والشرقي لا يفتقر إلى الحكايات القادرة على بناء عوالم سينمائية متكاملة؛ من ملوك يطاردون الخلود، وفرسان يقاتلون من أجل الحب والاعتراف، إلى أميرات محاربات، ورحلات تمتد عبر البلدان، فضلاً عن الجن، والوحوش، والسحر، والحروب، والمؤامرات.
وإذا كانت رحلة أوديسيوس، التي استغرقت 10 سنوات في طريق عودته من حرب طروادة، قد قدمت مادة لإحدى أشهر الملاحم الإغريقية، فإن المنطقة العربية تمتلك حكايات ظلت حاضرة على مدى قرون، وبعضها يعود إلى أقدم ما عرفته البشرية من أدب مكتوب.
فما أبرز هذه الملاحم التي يمكن أن تتحول إلى إنتاج سينمائي عالمي؟
جلجامش.. ملك يطارد سر الخلود
قبل قرون طويلة من تدوين كثير من الملاحم الشهيرة، ظهرت في بلاد الرافدين قصة ملك يبحث عن إجابة لأحد أقدم الأسئلة الإنسانية: هل يستطيع الإنسان الهروب من الموت؟.
تبدأ ملحمة جلجامش بملك قوي ومتسلط، قبل أن يدخل “إنكيدو” حياته ويصبح أقرب أصدقائه ورفيق مغامراته، لتشكل وفاة الأخير نقطة التحول الكبرى في الحكاية.
يهز الموت جلجامش ويدفعه إلى مغادرة عالمه والانطلاق في رحلة بحث عن الخلود، يمر خلالها باختبارات ومخاطر وكائنات أسطورية، وصولاً إلى لقائه بـ”أوتنابيشتيم”، الناجي من الطوفان العظيم.
وتصنف “الموسوعة البريطانية” ملحمة جلجامش بين أقدم الأعمال الأدبية المعروفة في العالم، فيما بقيت أجزاء منها محفوظة على ألواح مسمارية.
ولا تكمن جاذبيتها السينمائية في المغامرات وحدها، بل في السؤال الذي يقود أحداثها: كيف يتعامل الإنسان مع حقيقة أنه مهما امتلك من قوة، فلن يستطيع الانتصار على الموت؟
بني هلال.. شعب كامل في قلب الملحمة
على خلاف الحكايات التي تدور حول بطل واحد، تمنح سيرة بني هلال البطولة لجماعة كاملة، وتتحرك أحداثها عبر مساحة جغرافية واسعة تمتد من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، ومصر، وشمال أفريقيا.
وترافق هذه الرحلة حروب، وصراعات، وتحالفات، وقصص حب وخيانة، ومنافسات، مع حضور شخصيات شهيرة في الذاكرة الشعبية، في مقدمتها: أبو زيد الهلالي، وحسن بن سرحان.
وتمنح التحولات الجغرافية والسياسية للسيرة فرصة لبناء عمل بصري ضخم تتغير مشاهده من الصحراء إلى وادي النيل وصولاً إلى شمال أفريقيا.
وحظيت السيرة باعتراف دولي بقيمتها التراثية، إذ أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” ضمن التراث الثقافي غير المادي، بينما تشير دراسات أكاديمية إلى ثراء الرواية الشعبية المصرية للسيرة بالشخصيات والأحداث التي تجمع الحرب، والحب، والسحر، والمنافسة.
سيف بن ذي يزن.. الجن يدخلون المعركة
أما سيرة سيف بن ذي يزن فتأخذ المشاهد المحتمل إلى عالم أكثر غرابة، حيث تتداخل الشخصيات التاريخية مع الخيال الشعبي، وتتحول المعارك إلى مواجهات تتجاوز البشر.
وتقدم السيرة بطلاً يبدأ حياته في ظروف صعبة، قبل أن تتغير مكانته، ويخوض رحلة طويلة لاستعادة إرثه ومكانته، وسط سلسلة من المغامرات والحروب.
ولا تقتصر مواجهاته على الجيوش البشرية، إذ تدخل الجن والكائنات الخارقة والسحر في قلب الأحداث، إلى جانب الرحلات نحو أماكن وعوالم غريبة.
ويُرجح باحثون أن الشكل الأدبي الذي وصلت به السيرة إلى الأجيال اللاحقة تبلور في مصر خلال العصر المملوكي، لتصبح واحدة من الحكايات الشعبية التي مزجت التاريخ بالخيال الجامح.
ذات الهمة.. فارسة تقود الرجال
قبل ظهور موجة البطلات المحاربات في السينما الحديثة بقرون، وضعت السيرة الشعبية العربية “ذات الهمة” امرأة في قلب واحدة من حكاياتها القتالية الكبرى.
وتدور السيرة حول فاطمة بنت مظلوم، المعروفة بـ”ذات الهمة”، التي تبدأ حياتها وسط ظروف قاسية قبل أن تتعلم الفروسية والقتال، ثم تتحول مع تقدم الأحداث إلى فارسة وقائدة تخوض الحروب.
وتدخل ذات الهمة في مواجهات واسعة ضد الروم، وتفرض حضورها وسط عالم تهيمن عليه الشخصيات العسكرية والفرسان الرجال.
وتمنح هذه الشخصية أي معالجة سينمائية محتملة عنصراً مختلفاً، إذ لا تستمد البطلة قوتها من لقب أو مكانة اجتماعية، وإنما من مهارتها وشخصيتها وقدرتها على القيادة، بما يفتح المجال أمام تقديم شخصية نسائية عربية ملحمية إلى الجمهور العالمي.
عنترة بن شداد.. الحب والسيف والبحث عن الاعتراف
قد يكون عنترة بن شداد من أكثر الشخصيات العربية القديمة جاهزية للانتقال إلى الشاشة الكبيرة، فقصته تجمع عناصر يصعب فصل أحدها عن الآخر: الحب والحرب والشعر والصراع الاجتماعي.
ولد عنترة لأب عربي وأم حبشية، وعانى من النظرة الاجتماعية التي لاحقته، ليصبح إثبات ذاته، والحصول على الاعتراف بمكانته جزءاً أساسياً من حكايته.
وبين فروسيته وشعره وحبه لعبلة، تشكلت حول شخصيته سيرة شعبية تجاوزت حدود الوقائع التاريخية وأضافت إليها على مر الزمن مغامرات وحكايات بطولية.
ويمكن سينمائياً بناء رحلة عنترة من موقعه على هامش مجتمعه، مروراً بصراعه لإثبات نفسه في ساحات القتال وعلاقته بعبلة، وصولاً إلى تحوله إلى أحد أشهر الفرسان والشعراء في الذاكرة العربية.
وبين جلجامش الباحث عن الخلود، وأبو زيد الهلالي، وسيف بن ذي يزن، وذات الهمة، وعنترة، تبدو المشكلة أقل ارتباطاً بغياب القصص الملحمية العربية، وأكثر ارتباطاً بغياب المشروع السينمائي القادر على إعادة تقديمها بلغة بصرية تصل إلى الجمهور العالمي.