بغداد (عربي times)
سحر الشاشة الفضية انطفأ، صخب رواد المكان صمت للأبد، البهجة الجماعية تراجعت ليحل بدلا منها فراغ موحش، أما المقاعد والجدران التي لطالما كانت شاهدة على زمن من الفن والإبداع، فأصبحت محطمة وآيلة للسقوط ومأوى لبيوت العنكبوت والحشرات.
تلك هى حالة الغالبية العظمى من دور السينما القديمة في بغداد التي سبق أن صنعت مجد المدينة الثقافي في بداياتها الذهبية وكانت بمثابة نجوم تتلألأ في سماء الوجدان العام لتنثر عبير الترفيه والأناقة، لاسيما في الفترة من بدايات القرن العشرين حتى السبعينيات منه.
ووفق مؤرخين، لم تكن السينما مجرد مساحة للترفيه الجماعي فحسب، بقدر ما تحولت إلى عنوان عريض يعكس المستوى اللافت من ثقافة العائلة العراقية وانفتاحها على العصر، وحرصها على مواكبة كل جديد.
وتشير سجلات السينما في بغداد، إلى أن البداية كانت مع عروض السينما الصامتة عام 1908 عبر فن وليد أثار فضول نخبة المجتمع، أما في عام 1934 فتم عرض الفيلم المصري “الوردة البيضاء” لمحمد عبد الوهاب والذي خطف الأنظار بأغنيته الشهيرة “يا ورد مين يشتريك”.
ومن أبرز صالات السينما التي تأسست في الثلاثينيات “الحمراء” و”الزوراء” و”الرافدين” و”الرشيد”، بحسب الباحث دكتور كمال العكيلي في دراسة شاملة بعنوان “دور السينما في مدينة بغداد بالعهد الملكي وأثرها في الحياة الاجتماعية”.
وفي الأربعينيات، انتقل النشاط السينمائي من شارع “الرشيد” إلى منطقة “الباب الشرق”، وكانت سينما “الغازي” من أوائل الدور التي افتُتحت هناك وعرضت الفيلم الأمريكي الشهير “ذهب مع الريح”، بطولة فيفان لي وكلارك غيبل.
وفي أوائل الخمسينات، ظهرت سينما “الخيام” التي يقال إنها كانت الأكثر تطوراً ليس في العراق فحسب بل في الشرق الأوسط، فقد كانت جدرانها محلاة بلوحات فسفورية تم تصميمها خصيصاً في إيطاليا، كما تم استيراد مقاعدها المتحركة من الولايات المتحدة.
وبلغت السينما في بغداد أوج إزدهارها في حقبة الستينيات، بالتزامن مع فترة غير مسبوقة من النشاط الفني والحداثة والاحتكاك بالعالم، ليصبح الذهاب إلى السينما بحد ذاته طقسا مجتمعيا يُبرز تطور المدينة ويكشف عن الوعي الثقافي لدى أبناءها.
وبعد اندلاع الحرب مع إيران، تقلص عدد دور السينما في بغداد إلى 12 فقط في حقبة الثمانينيات ثم استمرت حالة التدهور، كماً وكيفاً، في السنوات التالية بما فيها الحصار والأزمات الأمنية حتى خرجت الدور القديمة عن الخدمة وتحول معظمها إلى ما يشبه الأطلال.
ويشكو متابعون من أن الحالة السينمائية في بغداد باتت تقتصر اليوم على عدة قاعات صغيرة في بعض المولات التجارية، وبعدد مقاعد لا يتجاوز الـ 100 غالباً، في حين أن الصالات القديمة كانت تتسع لنحو 700 متفرج في بعض الأحيان.
ويطالب الرأي العام الثقافي في بغداد بسرعة ترميم وتأهيل ما تبقى من دور العرض التي صنعت تاريخ المدينة قديماً، وتحمل بين جدرانها صفحات من العصر الذهبي لواحدة من أبرز عواصم العرب والعالم.