الموت للعرب !

أوتاوا ..بقلم/غادة بن عميرة (عربي times  ) –

عام ١٦٠٧ من الميلاد، بدأ الاستعمار البريطاني للقارة الأمريكية، تحديدًا في المنطقة التي عرفت لاحقًا بجيمس تاون، وبعد مرور قرن كامل ولد ما يعرف اليوم بالولايات الأمريكية المتحدة.

ما يهمني في هذه المقالة هو توضيح ما حدث خلال هذه الأعوام المائة، أمريكا لم تكن أرضًا خالية من البشر عندما استعمرها البريطانيون، بل كانت مزدهرة بحضارة الهنود الحمر -السكان الأصليين للأرض- وما نجحت بريطانيا في تحويل استعمارها لدولة حقيقية -تعد اليوم أقوى دول العالم- إلا بعدما قامت بإبادة السكان الأصليين لهذه الأرض.

وكانت “هيلين هنت جاكسون” أشهر من أرخ لهذه المجازر في كتابها “قرن من العار” المنشور عام ١٨٨١م، وصفت فيه عمليات التهجير والقتل الممنهج الذي تعرض له الهنود الحمر، حيث انخفض عدد السكان الأصليين من ١٢ مليون في القرن السادس عشر إلى ٢٠٠ ألف في القرن التاسع عشر، حيث وصف الدكتور “ديفيد ستانارد” ما حدث لهم بأنه أعظم محرقة (Holocaust) شهدتها البشرية.

لم تقم الجماعات المستعمرة من الأوروبين بإبادتهم جميعًا، فقد احتفظت بعدد قليل جدًّا منهم في محميات لا تختلف كثيرًا عن محميات الحيوانات المعرضة للانقراض، أكبرها محمية قبيلة نافاجو في ولايتي يوتاه وأريزونا، ذات السيناريو السابق تكرر في كل من استراليا ونيوزيلندا، ولكنه فشل في جنوب أفريقيا والهند.

ما علاقة الحديث السابق بالعرب؟ يمكنكم أخذ كل ما سبق وتطبيقه على الاستعمار الصهيوني لفلسطين اليوم، فقد قامت بريطانيا -التي عينت نفسها حكومة انتداب على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى- بخلق حالة استعمار جديدة على أراضي العرب بذات الطريقة التي اتبعتها في مستعمراتها السابقة، ممهدة لتأسيس دولة إسرائيل، ولكن بريطانيا فشلت في إنجاز أمر وحيد، ألا وهو إبادة السكان الأصليين للأرض، مما يعني أن على الصهاينة اليوم إتمام هذه المهمة.

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي طوال الأسابيع الماضية بأخبار القصف الوحشي على غزة، ولكنّ أمرًا أكثر وحشية برز للسطح ليسفر عن الوجه الحقيقي للمسخ الذي زُرع قسرًا بيننا، ذاك الذي يسمى لإسرائيل، فقد بدأت تظهر الدعوات الصريحة للتخلص من العرب من قبل الصهاينة المستعمرين، فعلى سبيل المثال: انتشرت صور عديدة لمراهقات صهيونيات (selfi) يدعين فيها صراحة لقتل العرب والتخلص منهم، وانتشرت تصريحات لعضو في البرلمان الصهيوني تطالب فيها بقتل الامهات الفلسطينيات[1]، وأسوأ هذه الدعاوي على الإطلاق كانت مقالة الصهيوني “بوخنان غوردن” التي نشرت في صحيفة التايمز الإسرائيلية[2] والتي تبرر المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين، كما كثرت الوسوم على موقعي تويتر وفيس بوك التي تدعو لذات الشيء.

هذه الدعوات على وحشيتها ليست بالأمر الجديد؛ فلطالما رددها قادة الاحتلال منذ بدء تأسيسه، فقد قال “إسرائيل زنغويل” أحد مساعدي “هرتزل”: علينا أن نستعد لطردهم (العرب) من البلاد بقوة السلاح”، وقال “بن غيريون” أول رئيس وزراء إسرائيلي: “يجب أن نفعل كل ما باستطاعتنا لنمنع عودة الفلسطينيين”. كما عبر عمدة تل أبيب عام ١٩٨٣م عن رأيه قائلًا: “يجب علينا أن نقتل جميع الفلسطينيين إلا في حال رضوا بالعيش لدينا كالعبيد”.

وقد قمت مؤخرًا بترجمة مقــال للكاتب الإسرائيلي “جدعون ليفي” بعنــوان: ما هو هـدف إسرائيل الحقيقي من قصــف غــزة؟[3]، تحدث فيه عن أن الهدف الحقيقي لإسرائيل هو قتل العرب، حيث يقول الكاتب المتحيز لإسرائيل: “إنه عند تتبعنا لممارسات إسرائيل في كل من حروبها السابقة ضد العرب، سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا، نجد أن مستوى العنف ونوع الأسلحة واستراتيجة تجميع الفلسطينين في مناطق محاصرة يوضح أن إسرائيل تسعى جاهدة للتخلص من أكبر عدد ممكن من العرب في كلّ حرب تشنّها”.

وذلك لأنّ أكبر خطر تواجهه إسرائيل هو الخطر الديموغرافي؛ سواء كان داخل الأراضي المحتلّة أو في الشتات، ففي الداخل يشكل عدد الفلسطينيين الذي يحملون جنسية إسرائيلية ٢٠٪ من سكان لإسرائيل، ويشكل  معدل الزيادة السنوية للفلسطينيين ٢.٦٪ بينما نسبة الزيادة الإسرائيلية ١.٧٪ هذا في داخل إسرائيل، أما نسبة الزيادة السكانية السنوية في بقية المناطق الفلسطينية فتصل إلى ١٠٪. كما انخفضت نسبة الهجرة إلى إسرائيل بشكل حاد على مر العقود الماضية، مقابل زيادة مطردة في الهجرة العكسية، حيث يفكر ٤٠٪ من المستعمرين بالهجرة لعدة أسباب أهمها العامل الاقتصادي، ومن ثم الأمان، حسب دراسة نشرتها صحيفة الهارتس عام ٢٠١٢.

فحتى لو افترضنا جدلًا قبول العرب في فلسطين بالاحتلال واستسلموا لوجود دولة إسرائيل، فالواقع يقول إن اليهود في “إسرائيل” سيصبحون أقلية خلال العقدين القادمين، ممّا يعني أن وجودها كدولة سينتهي تمامًا؛ لأن إسرائيل ليست إلا دولة يهودية كما تعرف عن نفسها دائمًا. وقد أدرك الصهاينة هذه الحقيقة منذ بدء تأسيس دولة إسرائيل، حيث يتفق الكثير من الكتاب والسياسيين الإسرائيليين على أن السبب الذي سيؤدي لانتهاء دولة إسرائيل هو: أنّها على العكس من النموذجين الأمريكي والاسترالي، لم تنجح في التخلص من السكان الأصليين للأرض التي يستعمرونها.

وقد أوضح المسيري -رحمه الله- هذه الحقيقة في مقال مهم جدًا نشر في موقع الجزيرة بعنوان نهاية إسرائيل[4]، سرد فيه المسيري مقولات ونبوءات العديد من الشخصيات الإسرائيلية منذ بدء الاستعمار الإسرائيلي وحتى تاريخ المقال، قائلًا: “موضوع نهاية إسرائيل متجذر في الوجدان الصهيوني، فحتى قبل إنشاء الدولة أدرك كثير من الصهاينة أن المشروع الصهيونى مشروع مستحيل وأن الحلم الصهيوني سيتحول إلى كابوس”، ثم يطرح المسيري هذا التساؤل ويجيب عليه: “لماذا هاجس النهاية الذي يطارد الإسرائيليين؟ سنجد أن الأسباب كثيرة، ولكن أهمها: إدراك المستوطنين الصهاينة أن ثمة قانونًا يسري على كل الجيوب الاستيطانية، وهو أن الجيوب التي أبادت السكان الأصليين (مثل أميركا الشمالية واستراليا) كتب لها البقاء، أما تلك التي أخفقت في إبادة السكان الأصليين (مثل ممالك الفرنجة التي يقال لها الصليبية والجزائر وجنوب أفريقيا) فكان مصيرها الزوال”.

وقد تنبأ الدكتور وحيد عبد المجيد، الباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، بأن اليهود سيصبحون أقلية عام ٢٠٤٨ في تقرير تلقفته الصحف الغربية لتطرح من جديد المخاوف الصهيونية من الخطر الديموغرافي الذي يهدد وجودها[5]. لهذا نجد أن الهدف الحقيقي لجميع حروب إسرائيل منذ نشوئها، مهما اختلفت مبرراتها وسياقاتها، هو التخلص من الفلسطينين إما بقتلهم أو بتشريدهم بطردهم خارج فلسطين. ولا تختلف عملية الجرف الصامد التي تشنها إسرائيل على غزة اليوم عما سبق، مهما تغيرت مبرراتهم بدءًا من اختفاء المجندين الثلاث، وصواريخ حماس وأخيرًا القضاء على منظومة الأنفاق في غزة؛ فالهدف الحقيقي لهذه العميلة كما يتضح من وحشيتها وحجم الدمار التي تسببت به هو التخلص من أكبر عدد ممكن من العرب.

فالتخلص من العرب هو الوسيلة الوحيدة التي ستضمن بها إسرائيل بقائها. وهي تعلم ذلك جيدا؛ ويعلمه الصهاينة جيدا ولا يخجلون من المطالبة به مراراً؛ فلماذا نخجل نحن من دعوات التكاتف والاصطفاف العربي وننبذها بكل عنف وكأن الاعتراف بعروبيتنا مذمة ونقيصة يجب التبرؤ منها!.

Comments are closed.