حفل تأبيني فخم لعاشق بغداد وشيخ التراثيين الباحث رفعت الصفار 

تكريما لفقيد التراث العراقي الكبير وعاشق بغداد الباحث رفعت مرهون الصفار الذي غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء بعد أن أدى رسالته حتى آخر يوم من عمره وهو يضع لمسة هنا وبصمة هناك ،،، دالة منه على مقدار ولهه وشغفه بكل ما يتعلق ببغداد منذ أن حبا بين “درابينها”وازقتها وحاراتها ومحلاتها ، ابتداء من محلة صبابيغ الال ، إلى سراج الدين وعقد النصارى والصدرية والدهانة والعوينة والشورجة . وتجول بانحائها يافعا ، والسهر فيها شابا ورجلا .
أقام منتدى الربيعي الثقافي حفلا تابينيا كبيرا تقديرا لهذه الشخصية البغدادية المرموقة في المجتمع والواقع الثقافي العراقي . فقد شهدت له المجالس البغدادية الثقافية ، ومنابر ومنصات الثقافة والأدب الحضور المؤثر والمميز ، بروحه الوثابة المتفائلة المخلصة لبيئته .
و للمدن التي احتضنته وعاش فيها اجزاء من حياته وفي مقدمتها مدينتي النجف
وبغداد .
حيث شهدتا مراحل وهجه المتنامي بميزات ومواهب وخصال عديدة من بينها الرياضة ، اذ كان ماهرا متفوقا ببعضها .
ودخل حلبة الادب والثقافة فأصبح علما فيهما .
ولم يقتصر إبداعه وعطائه على العلاقة مع القلم فحسب .
بل قرنها بالعمل والفعل الميداني والعملي ،فكان أحد ابرز مدراء الجلسات الثقافية للمجالس والمنتديات .
وتراس لجان ثقافية و أدبية عدة . وخاض معتركات متنوعة . ودخل دنيا الصحافة وحقق فيها وجودا راقيا بتوليه مسؤوليات ثقافية وصحفية توزعت بين مجلات ( الدليل والكوفة والأمناء والديوان ) . توزعت بين محرر ومدير تحرير ورئيس تحرير .
وكذلك في صحف يومية واسبوعية .
وبمرور الزمن وبوفائه لكل جزئية في مدينتي النجف وبغداد ، لاسيما الدينية والتاريخية والتراثية ،، سخر إمكاناته وجهوده من أجل هذه القضية المهمة، والتي عدها من المقدسات في حياته .
وراح يوليها كل اهتمامه , وتجلى ذلك بسلسلة من التحقيقات والتوثيقات عنها في الصحافة ، ولفت الإنتباه اليه منذ الثمانينيات حين كان يجسد ذلك العشق والارتباط الوجداني عن طريق المحاضرات عن بعض المواقع والمناطق البغدادية التي عاش فيها وترعرع ، وعرف كل تفاصيلها وأحداثها وحكاياتها .
وكرس وقته لأجل ذلك ، معززه بالتعرف على المحلات الأخرى وخاصة محلات الرصافة المحصورة بين الباب المعظم إلى منطقة السعدون . واصبح موسوعة فيها ، سواء عوائلها . اومبانيها ومعالمها ووقائعها و نسيج مجتمعها .
وراح يتوسع في هذا الاختصاص الجميل ، وكان باكورة هذا الوعي والاطلاع الواسع كتابه الأول عن محلة “صبابيغ الال” التي نشأ فيها ودرس بمدارسها ونهل من قيمها ومثلها ومفاهيمها الحسنة .
وعرف بعد ذلك كاهم شخصية بتراث بغداد .
بكتاباته المتواصلة ، وبمحاضراته ، وأحاديثه الإذاعية والتلفزيونية ، وإدارته الجلسات التي تختص بمدينة بغداد وتراثها وتاريخها اينما يدعى . وجسد ذلك بارتدائه السدارة البغدادية مؤكدا بغداديته روحا ومظهرا وجوهرا .
ثم أصدر كتابه الثاني المهم الذي أكد عشقه الصوفي لبغداد ، حتى بلغ الأمر أن ساد اعتقاد راسخ ومقدر في الاوساط البغدادية بأن ( بأن بغداد ورفعت الصفار ،، صنوان لايفترقان ، فلا تذكر أحدهما دون الآخر !! . ) .
وغدت تلك المسالة الجدلية انموذجا وتعبيرا على متانة العلاقة وعمقها بين الاثنين ، وحمل الكتاب عنوان ( محلات بغدادية في الذاكرة ) تناول فيه كل المحلات التي ذكرناها انفا . واصبح مرجعا للباحثين ومصدرا انيسا لعشاق بغداد .
ولاهميته طبع اربع طبعات ، إحداهما في لندن .
وجاء كتابه الثالث الموسوم ( تراثيون في الذاكرة ) ، الذي استعرض فيها سير عدد كبير من التراثيين العراقيين من لهم إسهامات ومنجز يتعلق بالتراث العراقي .
وأصدر ستة اعداد من موسوعته الموسومة ( نجوم في حياتي ) التي ارخ فيها لمئات من اصدقائه ومعارفه ووجوه الثقافة والأدب والشعر والعلوم المختلفة .
وكانت له مبادرات كثيرة .
ووقف وراء العديد من المشاريع التي تهتم بتراث بغداد . واسهم بتأسيس العديد من المنابر والتشكيلات الثقافية التراثية .
حتى أصبح منهلا بمحلات بغداد في جانب الرصافة ، تستعين به مراكز الأبحاث والجامعات والصحف ووسائل الإعلام والبرامج التراثية المسموعة والمرئية .
وهو من أسرة عريقة لها حضورها الثقافي ودورها الوطني ، أباه الحاج مرهون الصفار شاعرا معروفا وله منزلته في المشهد الثقافي ، واخاه اللواء محمد مرهون الصفار أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار .
إلى جانب إنسانيته الفريدة التي لمسها كل من عرفه وعاصره من خلال جمعية مكافحة التدرن والأمراض الصدرية ، والتي كان مديرا لندواتها وفعالياتها . ورئيسا للجنتها الاجتماعية والثقافية لعقود عدة ، لغاية عمر التسعين . إذ فرض عليه واقعه الصحي القعود في البيت والانسحاب من بعض النشاطات .
وكان حمامة سلام أثناء ارتباطه بالجمعية ، حين يشارك بحملات الجمعية الصحية لتوعية الناس وإرشادهم لكيفية التعامل مع مرض التدرن وتجنب الإصابة به . وكان خير صوت اعلامي وإنساني للجمعية . واحد أركانها المهمة ، مع الرجل النبيل والغيور الاستاذ مؤيد السنيد المدير التنفيذي للجمعية ، واحد رجال الجمعية المخلصين .
وقد حضر الحفل حشد كبير من أصدقاء ومعارف وزملاء المرحوم وممثلين عن أسرته الكريمة ، وعدد من عمداء المجالس البغدادية الثقافية وروادها .
وادار الحفل الذي افتتح بقراءة سورة الفاتحة ، الاستاذ عادل العرداوي الذي عبر عن تأثره البالغ لرحيل شيخ التراثيين ، مستعرضا بعض ماثره ومواقفه ، معزيا رواد وعمداء المجالس بوفاته يرحمه الله . ليقراء بعده الشيخ جعفر الطعان أحد الأدعية المباركة ، بصوته الجهوري وبادائه المؤثر .
أعقبته كلمة جمعية مكافحة التدرن والأمراض الصدرية ألقاها الدكتور ظافر سلمان مدير الجمعية ، استعرض فيها وقفات الفقيد ودوره في نجاح الجمعية بتنفيذ برامجها التوعوية والثقافية .
وتلته كلمة الدكتور إحسان الشعرباف التي كانت مؤثرة جدا ، ، فقد استذكر فيها رفقة المرحوم وحكاية عشقه لبغداد ومحلاتها ، وأثرها بإنتاج الأفكار التي ترمي لتطويرها وإعادة زهوها وفاء واحتراما لها .
مبينا أنه مذ عرفه وهو يراه يزداد عشقا بمرور السنين لمحبوبته بغداد .
لقد أثارت كلمة الدكتور الشعرباف الشجون ، وعكست درجة الاسى واللوعة التي طوقته لفراقه الأليم .
وجاءت كلمة الاستاذ مازن محمد جواد الغبان محملة بالشجن والحب للراحل الصفار الذي كان أحد رواد مجلسهم ، ومن شخصياته الفاعلة والمميزة .
مشيرا إلى العلاقة الوثيقة بينه وبين والده يرحمهما الله.
وذلك الترابط الجميل بينهما .
وجرى عرض فيلم وثائقي عن الفقيد قام بإخراجه وإعداده ومونتاجه الفنان سامي الهيال . عرض فيه كمية كبيرة من صوره مع الأصدقاء وحضوره الفعاليات الخاصة بالمجالس البغدادية الثقافية بمصاحبة نشيد الرابطة ، وموسيقى حزائنية
علاوة عن جوانب من حياته العملية . نال استحسان وإشادة الحضور .
والقى الاستاذ عدنان البياتي كلمة مجلس امال كاشف الغطاء . معرجا من خلالها إلى علاقته مع الراحل لكونهما جيران بمنطقة واحدة وزملاء بالمجالس ومواقع اخرى . واشتركا سوية ببعض المهام الثقافية والاجتماعية .


ختمها بآبيات من الشعر .
والقى الشاعر الدكتور حيدر حميد الدهوي قصيدة نسجتها مخيلته المتوقدة ، ودونتها على الورق أنامله المبدعة ، ولظمت نمنمها الجميل قريحته الرقراقة ، وانطلق صادحا بها بصوته الراكز الصاف ، وخلقت حالة من التأثر بقوة معانيها وبذكرها الفقيد باسمه الصريح ، مادعا الحضور لمطالبة الشاعر بإعادة بعض ابياتها التي اججت المشاعر واستفزت الدواخل ، وصنعت لقطة وجدانية مؤثرة . وحصدت الاعجاب الكبير والثناء الجميل .
واستذكر الباحث رفعت عبد الرزاق علاقته بالراحل التي تعود.الى أواخر السبعينيات ، والتي ترسخت عن طريق اللقاءات بالمجالس الثقافية .
وأكبر عنده ذلك العشق المدهش والذي تلبسه تجاه مدينة بغداد ومحلاتها القديمة .
وفي كلمته أفاض اللواء المتقاعد كاظم هلال البدري بتقديره واعتزازه به ، وهو الذي كان يزوره باستمرار بين حين وآخر وكانت آخر زيارة له قبل وفاته بأيام .
وعبر الاستاذ عبد الهادي صادق عن اجلاله للباحث الصفار بمقدمة نثرية لطيفة ، ثم بآبيات رائعة من الشعر عن الفقدان .

عبد الحميد الكناني

كاتب واعلامي العراق