تعقد المؤتمرات لتحقيق هدف وتشخيص مشكلة وتقديم حلول ونتائج ورؤية لصنٓاع القرار، وصولاً إلى متابعة نتائجها وتوصياتها والعمل على تنفيذها، فالمؤتمرات ليست برامج مسابقات لاختبار أبلغ الكلمات وأجمل الأصوات. وفي الأسبوع الماضي عقدت وزارة التخطيط مؤتمراً مهماً من حيث موضوعه عن الفقر والبطالة، وتوقيته مابين نتائج التعداد العام للسكان وعشية تقديم البرنامج الحكومي لمجلس النواب، وهو المؤتمر العلمي الأول لمعالجة ظاهرتي البطالة والفقر في العراق 2026، وقد قيل في هذا المؤتمر من المعنيين في وزارات التخطيط والتعليم والعمل ما لم يقل في أكثر البرامج الحوارية صراحةً وجرأة.
والفقر والبطالة أخطر تحديين أمام الحكومة الجديدة وكل عمل حكومي لا يصب في اتجاه محاربة الفقر والبطالة كأولوية او يقلل من خطرهما سيؤدي إلى تراكمات يصعب حلها وقد تفضي إلى انفجار شعبي غير محمود العواقب. وحالة الاختلال التي أشّرها المؤتمر تسود معظم مفاصل الدولة وتعمّق من الظاهرتين، فساعات الإنتاج قياساً بأعداد الموظفين ترتقي إلى مستوى الكارثة إن لم تكن فضيحة لا تسترها البصمة الالكترونية، وتكاثر الجامعات الأهلية بات يثير الاستغراب أكثر من أي وقت مضى، بل إن مخرجات هذه الجامعات باتت الأكثر ضغطاً وأثراً سلبياً في تعميق ظاهرتي البطالة والبطالة المقنعة من حيث الكم والمستوى العلمي والثقافي الذي لا يرتقي للعناونين والألقاب العلمية، ناهيكم عن اختلال يرى بالعين المجردة بين أعداد طلابها في الحدائق والنوادي مقارنة بالصامدين في قاعات المحاضرات، واختلال آخر في خارطة توزيع الوظائف بين عوائل متخمة وعوائل محرومة مكتفية بشرف المشاركة الدائمة بقرعة التقديم الالكتروني على فرص العمل قرعةً بعد قرعة. وقد نتفق على أن التشخيص مشخٓص للقاصي والداني والعلل ذات العلل والمؤتمر الذي رفع الصوت عالياً عن الفقر والبطالة ودق ناقوس الخطر ليس الأول من نوعه لكنه لا يخفي قلقه من عواقب الاختلالات الخارجة عن سيطرة الدولة وقلقه من التزايد السكاني المنفلت ومن الولادات التي لا تأتي ورزقها معها ومن استعداداتنا غير الكافية لاستقبالها. ومن حقنا أن نعرب عن قلقنا أيضاً إذا كانت الكلمات والتحذيرات والبحوث العلمية تذهب مع الريح ولا يؤخذ بها وبمخاوف ونتائج وتوصيات هذا المؤتمر عن أخطر ظاهرتين، ومن دون العمل بالحلول الاستباقية ستتعمق الأزمات ويزداد الفقر وتبقى البطالة بألف خير، والخطوة المقبلة واليوم التالي لجميع المؤتمرات هو المهم والقضية ليست شطب يوم وإسقاط فرض والسؤال الأهم هو ماذا بعد المؤتمر ونتائجه وبملعب من أصبحت الكرة؟ وإلا فالأجدى بالحكومة منع عقد المؤتمرات في الوزارات كافة إذا لم يؤخذ بها بشكل جدي حفظاً للوقت والجهد والمال العام من أن تذهب سدى.
عبد الهادي مهودر
الصباح