القدس(عربي times)
دخلت الساحة السياسية والأمنية الإسرائيلية مرحلة بالغة التعقيد والخطورة، إذ تعكس عناوين الصحف الصادرة الأحد، حالة من الذهول والترقب عقب الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية لانتخابات الكنيست السادسة والعشرين .
ولم تكن الانتخابات مجرد جولة تقليدية لإعادة توزيع المقاعد، بل تحولت إلى زلزال سياسي حقيقي أعاد رسم الخريطة الحزبية، ووضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام حائط مسدود، بعد فشل معسكره في تأمين الأغلبية اللازمة للحكم، مكتفياً بـ53 مقعداً، في مقابل صعود لافت لتحالف التغيير بقيادة غادي آيزنكوت وحزبه “يشار”، مدفوعاً بقفزة تاريخية للأحزاب العربية.
وفي الوقت الذي تتصارع فيه النخب السياسية خلف الكواليس لتشكيل ائتلاف حكومي معقد، يبرز شبح التصعيد العسكري مع إيران كأداة أخيرة ومقامرة كبرى يناور بها اليمين للبقاء في السلطة والهروب من مقصلة الإقصاء السياسي، بينما تنفجر الأزمات الداخلية مجدداً في الشارع مع تجدد صدامات التجنيد مع “الحريديم”، وتأرجح المؤشرات الاقتصادية بين تفاؤل دولي ومخاوف محلية من شلل ممتد.
صراع البقاء لنتنياهو
وأفردت صحيفة “هآرتس” مساحات واسعة لتحليل السلوك السياسي لبنيامين نتنياهو، الذي تصفه بعض أقلامها الافتتاحية والتحليلية بأنه يقود إسرائيل نحو الهاوية، متمسكاً بالسلطة بأي ثمن.
وأشار المحلل العسكري عاموس هرئيل في معالجته الرئيسية اليوم، إلى أن الخطر الحقيقي الذي يواجه الدولة العبرية حالياً لا يكمن في جمود المفاوضات الائتلافية فحسب، بل في المحاولات الحثيثة التي يبذلها نتنياهو لدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو شن ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد المنشآت النووية والبنية التحتية الحيوية في إيران، فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة، يوم الثلاثاء المقبل.
ويوضح هرئيل أن نتنياهو، الذي تلقى رفضاً حازماً من واشنطن لشن الحرب قبيل الانتخابات الإسرائيلية، يرى في المواجهة الإقليمية الكبرى وسيلة مثالية لفرض حالة الطوارئ الوطنية، مما يمنحه الذريعة لتعطيل نقل التفويض بتشكيل الحكومة إلى خصومه، وإجبار قادة المعارضة على الانضواء تحت لواء حكومة وحدة وطنية، بزعم حماية الأمن القومي.
وحذرت افتتاحية الصحيفة من هذا السلوك، معتبرة أن الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لن تقتصر حدودها على طهران، بل ستشعل جبهات لبنان واليمن والعراق، وسيكون بمثابة انتحار استراتيجي يهدف فقط إلى إنقاذ شخص واحد من المحاكمة والإقصاء السياسي.
وفي سياق متصل، استعرض يوسي فيرتر المعركة القضائية والإعلامية التي يشنها الليكود لتقويض شرعية التصويت، مستهدفاً الصوت العربي عبر اتهامات مبطنة بالتزوير والتمويل الخارجي، وهي الاستراتيجية التي وصفتها الصحيفة بأنها محاولة مستمرة لتجريم الشراكة السياسية مع المواطنين العرب وتسميم الفضاء الديمقراطي الإسرائيلي.
سيناريوهات براءة الصناديق
من جانبها، ركزت صحيفة “يديعوت أحرونوت” بشكل مكثف على الجوانب اللوجستية والأمنية المرتبطة بسلامة العملية الانتخابية.
وسلطت الضوء على البيان الصادر عن اللجنة المركزية للانتخابات برئاسة قاضي المحكمة العليا ناعم سولبرغ، الذي أكد أن جهاز الأمن العام (الشاباك) يباشر تحقيقات سرية وحساسة للغاية تتعلق بشبهات تدخل أطراف أجنبية، وتحديداً عبر تدفقات مالية يزعم الليكود أن مصدرها دول إقليمية، بهدف تحفيز الناخبين العرب على التصويت.
ومع ذلك، نقلت الصحيفة عن مصادر رسمية داخل اللجنة وضمن قيادة الشاباك أن الجزء الأكبر من الروايات التي يروج لها وزراء ونواب اليمين قد دُحض بالفعل، وأن التحقيق يظل محدوداً وموجهاً ضد أفراد ارتكبوا مخالفات معزولة، ولن يكون له أي تأثير على النتائج النهائية المعتمدة التي ستُسلّم للرئيس إسحاق هرتسوغ، يوم الأربعاء المقبل.
وفي الشق السياسي، حلل الكاتب شمعون شيفر معضلة الكتلة البديلة، معتبراً أن تصويت الإسرائيليين كان صرخة واضحة من أجل التغيير، ورفضاً لـ”حروب الأبد” التي يقودها نتنياهو منذ 3 سنوات.
ويرى شيفر أن غادي آيزنكوت يمتلك فرصة تاريخية لتشكيل حكومة دون الحاجة إلى صفقات ائتلافية معقدة وابتزازية، شريطة أن تدرك أحزاب “كتلة التغيير” حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وأن تتوقف عن التردد في قبول شبكة الأمان التي يمكن أن توفرها الأحزاب العربية من خارج الحكومة.
حراك المعارضة
في المقابل، قدمت صحيفة “جيروزاليم بوست” متابعة ميدانية وسياسية حية للمفاوضات الجارية بين أقطاب المعارضة.
وكشفت الصحيفة عن تفاصيل الاجتماع المغلق الذي عُقد بين رئيس حزب “يشار” غادي آيزنكوت وزعيم المعارضة يائير لبيد لتنسيق الخطوات المقبلة، حيث أعلن آيزنكوت عن المبادئ الأربعة الكبرى التي ستقوم عليها حكومته المقبلة، مؤكداً أن الباب مفتوح أمام أي عضو كنيست يقبل بهذه المبادئ لتأسيس حكومة صهيونية عريضة تعمل لصالح جميع الإسرائيليين.
وفي تحول دراماتيكي بارز، نقلت الصحيفة تصريحات رئيس القائمة المشتركة، النائب أحمد الطيبي، الذي قطع الطريق أمام اتهامات اليمين بإعلانه صراحة أن الأحزاب العربية لن تطلب مقاعد وزارية ولن تنضم مباشرة إلى الحكومة لتسهيل المهمة، لكنها مستعدة لدعم ائتلاف آيزنكوت من الخارج والتصويت ضد أي مقترح لحجب الثقة يقدمه الليكود، مقابل اتفاقيات واضحة ومكتوبة تتعلق بمكافحة الجريمة المستفحلة في المجتمع العربي واعتراف الدولة بالقرى البدوية في النقب.
ولم تقتصر تغطية “جيروزاليم بوست” على السياسة الحزبية، بل رصدت ميدانياً المواجهات العنيفة التي اندلعت صباح اليوم الأحد، أمام قاعدة “تل هاشومير” العسكرية في “كريات أونو”، حيث تدفق آلاف المتظاهرين من التيار الأرثوذكسي المتشدد (الحريديم) لإغلاق الطرق المحيطة بمركز التجنيد، احتجاجاً على بدء استدعاء فوج جديد من الشبان الحريديم للخدمة العسكرية ضمن وحدات الدعم القتالي.
وهذه الصدامات، التي استدعت تدخلاً من الشرطة الإسرائيلية لاستعادة النظام، تعكس، وفقاً للصحيفة، حجم الشروخ الاجتماعية العميقة التي تفاقمت بفعل سنوات الحرب المستمرة.
عين العاصفة
وتجمع الصحافة الإسرائيلية، بمختلف مشاربها، اليوم على أن الدولة العبرية تقف عند مفترق طرق تاريخي، وفي فصل من فصول عدم الاستقرار غير المسبوق.
ويرى مراقبون أن الأيام القليلة المقبلة، الممتدة بين تسليم النتائج الرسمية للرئيس الإسرائيلي يوم الأربعاء المقبل وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ستكون حاسمة في تحديد وجهة الصراع الإقليمي والداخلي.
فبينما يرى معسكر التغيير أن الفرصة مواتية لإنهاء الحقبة السياسية لنتنياهو والبدء في ترميم التصدعات الداخلية والاجتماعية عبر شراكة غير مألوفة، يبدو أن معسكر اليمين مستعد للمناورة بكل الأوراق وتحويل الأزمة السياسية المحلية إلى ساحة تفجير إقليمي مع إيران لخلط الأوراق وإعادة فرض هيمنته، مما يجعل المشهد الإسرائيلي معلقاً في عين العاصفة، بانتظار من سيمتلك القدرة على توجيه الضربة السياسية أو العسكرية الأولى في لعبة كسر العظام الحالية.