واشبطن (عربي times)
يتبنى السيناريو الثاني توقعات بنهاية تدريجية للنزاع بأن تتراجع العمليات العسكرية، مع احتمال توجيه ضربات محدودة تعود بعدها تدفقات الطاقة تدريجاً إلى وضعها الطبيعي، ويظل سعر النفط عالقاً بين 75 و100 دولار، مع تأثيرات متفاوتة في النمو والتضخم، وهو من بين السيناريوهات الأكثر ترجيحاً.
مع دخول الهدنة الموقتة في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران حيز التنفيذ شهدت الأسواق العالمية تحولاً سريعاً في اتجاهاتها، إذ عادت الشهية للمخاطرة إلى الارتفاع، وقفزت مؤشرات الأسهم عالمياً، بينما تراجعت أسعار النفط وعوائد السندات بصورة واضحة، في انعكاس مباشر لتراجع المخاوف الجيوسياسية على المدى القصير.
خلال أسابيع الحرب الأولى، كانت أسعار الطاقة في موقع الصدارة، إذ حافظ النفط والغاز على مستويات مرتفعة مدفوعة بمخاوف حقيقية من تعطل الإمدادات، خصوصاً مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما انعكس في بنية العقود الآجلة التي أظهرت فجوة واضحة بين الأسعار قصيرة الأجل والطويلة، في إشارة إلى توتر في الإمدادات وتكثيف المضاربات.
في الوقت نفسه دفعت موجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى إعادة تسعير واسعة في أسواق السندات، إذ صعدت العوائد مع تزايد المخاوف من عودة التضخم، وتراجعت معها رهانات الأسواق على خفض وشيك لأسعار الفائدة، لمصلحة توقعات أكثر تشدداً للسياسة النقدية عالمياً.
أما أسواق الأسهم فدخلت مرحلة ضغط واضحة، مع تسجيل خسائر ملحوظة في المؤشرات العالمية، وعلى رغم أن الأسواق لم تصل إلى حال ذعر كاملة، فإن المزاج العام اتسم بالحذر الشديد، في ظل استمرار تأثير الأخطار الجيوسياسية على شهية المستثمرين، وبقاء حال الترقب هي المسيطرة على قرارات الاستثمار.
من اللافت أن صناديق التحوط رفعت من مستويات البيع المكشوف خلال فترة الحرب، قبل أن تشهد الأسواق موجة ارتداد قوية مع إعلان الهدنة، نتيجة عمليات تغطية سريعة لتلك المراكز، وهو ما أسهم في تسريع صعود الأسهم في المدى القصير، ضمن حركة فنية أكثر منها تحولاً هيكلياً في الاتجاهات.
وعلى رغم هذا الارتداد لا يزال تقييم الأسواق قائماً على أن ما حدث هو إعادة تموضع سريع للمراكز المالية وليس تغييراً في الأساسات، إذ إن جوهر الأزمة لم يحسم بعد، خصوصاً مع بقاء الهدنة نفسها محدودة زمنياً وهشة سياسياً.
وتشير مذكرة لـ” تشارلز شواب” إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز تظل نقطة الغموض الأكبر في المشهد، إذ لم تتضح بعد آلية تشغيله أو شروط المرور عبره، في ظل احتمالات استخدامه كورقة ضغط تفاوضية، سواء عبر التقييد الجزئي لحركة الشحن أو فرض شروط غير مباشرة على مرور النفط. وتضيف أن هذا الوضع يضع قطاع الشحن والتأمين البحري في حال حذر مستمرة، مما يعني أن عودة حركة التجارة العالمية إلى طبيعتها قد تتأخر حتى في حال استمرار التهدئة السياسية، بخاصة مع استمرار توقف أو تراجع حركة العبور في بعض المسارات الحيوية.
وعلى الأرض خلفت العمليات العسكرية أضراراً ملموسة في البنية التحتية للطاقة في المنطقة، مما يجعل استعادة مستويات الإنتاج السابقة عملية بطيئة ومعقدة، ترتبط بعوامل فنية تتعلق بإعادة تشغيل المنشآت المتضررة، إضافة إلى قيود التخزين وقدرات المعالجة والنقل.
وحتى في حال تثبيت الهدنة من المرجح أن تبقى أسواق الطاقة تحت ضغط، مع استمرار تأثير نقص الإمدادات في الأسعار، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على التضخم العالمي والسياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى.
ومع تحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى صدمة في منظومة الطاقة العالمية أصبح واضحاً أن تأثيرها يتجاوز حدود المنطقة، بخاصة مع توقف أو تعطل أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة عالمياً، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره أيضاً نسبة مهمة من التجارة العالمية تشمل سلعاً حيوية مثل المعادن والأسمدة والمواد الأولية للصناعات.
وفي ضوء ذلك تشير مذكرة “تشارلز شواب” إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات مستقبلية تتوزع بين تهدئة سريعة تنهي التأثيرات دون آثار عميقة، وهو احتمال ضعيف، وسيناريو أكثر واقعية يتمثل في تهدئة تدريجية مع عودة بطيئة للإمدادات واستمرار ضغط أسعار الطاقة على المدى المتوسط، وسيناريو ثالث أكثر تعقيداً يقوم على استمرار التوترات المحدودة، بما يطيل أمد اضطراب الأسواق حتى عام 2026.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيبقى احتمال التصعيد الممتد، بما قد يقود إلى صدمة عالمية في الطاقة وركود اقتصادي واسع النطاق، نتيجة اجتماع ارتفاع التضخم مع تباطؤ النمو، وهو مزيج شديد الحساسية لصناع القرار المالي حول العالم.
Comments are closed.