حكاية المراهق الذي هرب من قبضة داعش

دمشق (عربي times  ) –

لاوند، كما سندعوه هنا، والبالغ من العمر 14 عاماً، جلس في زنزانة السجن الذي يقيم فيه مع 21 مراهقاً أخراً، وكان يسمع صراخ أصدقائه قادماً مما وصفه السجناء بـ “غرفة التعذيب” في الطابق السفلي. الشيء الوحيد في ذهنه حينها كان الخوف. كان يعرف بأنه قريبا سيؤخذ إلى الطابق السفلي أيضاً.

هذا المراهق هو واحد من نحو 150 طالباً من المدينة السورية الشمالية كوباني خطفوا في أواخر مايو الماضي على يد مسلحين من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). هؤلاء الفتية كانوا في طريق عودتهم من امتحانات نهاية العام في مدينة حلب السورية عندما تم اختطافهم. كان لاوند واحداً من التسعة المحظوظين الذين استطاعوا الهرب بعد شهرين من الأسر، بينما لا يزال البقية في أيدي ما يسمى بـ “الخليفة”.

وكان لاوند والطلاب الآخرون قد اضطروا للسفر عبر الأراضي التي تسيطر عليها داعش عندما غادروا كوباني لتقديم امتحاناتهم في حلب. حذرهم المتشددون من عدم محاولة العودة. ولكن الطلاب قاوموا هذا التحذير، واستقلوا متن ثلاث حافلات في رحلة العودة الخطرة إلى مدينتهم.

توقف الشبان للراحة في مطعم صغير على ضفاف نهر الفرات، ومن ثم رأوا مجموعة من مسلحي داعش في شاحنتين صغيرتين. كان المسلحون لطفاء مع هؤلاء الفتية في البداية، ولكن لاوند كان يشعر بالرعب، حيث أنه لم يكن على اتصال وثيق مع مسلحين يرتدون أحزمة ناسفة من قبل. قيل له ولأصدقاءه بأنه سيفرج عنهم خلال ثلاثة أيام، ولكن ذلك لم يخفف من مستوى خوفهم.

رافق المتشددون الحافلات إلى المحكمة الشرعية، حيث تسود نسخة متشددة من الشريعة الإسلامية. ومن ثم تم أخذ الفتية إلى المسجد، حيث أمضوا الليل.

في اليوم التالي، التقى الشبان بمسؤول محلي في داعش، أو أمير، وهو رجل سعودي قدم نفسه باسم أبو موسى. تحدث هذا المسؤول بلطف، وطمأن الفتية أنه سيفرج عنهم قريباً.

وكان أبو موسى واثنين من رجاله مسؤولين عن الأطفال، ومضى الأسبوع الأول بسهولة. تم تقديم الطعام الجيد والعصير لهم ولقنوا دروساً عن الإسلام كل يوم. دروس الجهاد بدأت في وقت لاحق. وكان لديهم بقية اليوم للعب كرة القدم في الفناء. قيل لهم، وبرفق شديد، بأنهم كانوا كافرين، ولكنهم سيتوبون قريباً.

ولكن بعد ذلك، قال أبو موسى والرجلان الأخران، وأحدهما كان عمره مثل لاوند 14 عاماً فقط، إنهم تلقوا  دعوة للقيام بمهمة انتحارية في العراق، وأضافوا: “نحن نأسف إذا كنا قد تسببنا بأي ضرر لكم. نحن في طريقنا إلى الجنة الآن”.

ومن هنا، بدأت الأمور تصبح أكثر قتامة. أظهر الخاطفون الجدد للاوند قائمة من أسماء الجنود الأكراد والمسؤولين الذين كانوا أعضاءً في أسرته، وطلبوا منه تأكيدها. تظاهر الشاب بعدم معرفة الوجوه المألوفة على القائمة، وهو ما غير موقف خاطفيه منه، حيث تم أخذ لاوند إلى أحد سجون النظام سابقاً مع باقي الأطفال الذين رفضوا التعاون.

الزنزانة هناك كانت صغيرة مع نافذة للسماح بدخول بعض أشعة الشمس. 22 شخصاً سجنوا هنا، حيث ضمت الزنزانة بالإضافة إلى الأولاد، أحد الأعضاء الليبيين في داعش، الذي سجن بسبب خلافه مع الأمير. واصل هذا الشخص الليبي إعطاء الدروس الدينية للأولاد داخل السجن.

أنواع التعذيب التي تعرض لها لاوند تراوحت بين وضعه في إطار سيارة وضربه، والتعليق من السقف من يديه، وتعريضه للضرب مرة أخرى. لم يكن الشاب قادراً على تحمل هذه العقوبة لأكثر من نصف ساعة، واعترف بأن القائمة التي تضم  أقاربه كانت دقيقة. اقتيد إلى الطابق العلوي، حيث بقي في الاعتقال 20 يوماً أخراً، سمح له وللأطفال البقية خلالها بقضاء ساعة كل يوم في الفناء؛ بينما حصل السجناء من كبار السن على خمس دقائق فقط.

وعندما بدأ شهر رمضان المبارك، في أواخر يونيو، سمح للاوند بمغادرة السجن، وتم أخذه وأطفال أخرين إلى مدرسة قريبة. عندما تم القبض على أحدهم وهو يقوم بأخذ رشفة من الماء في رمضان، ربطه المتشددون إلى قائمي المرمى في ملعب كرة القدم، مما جعل جسمه كالصليب. وبعد ذلك، قاموا برشقه بالماء الساخن وضربه بالعصي.

حاول بعض الأطفال الفرار. محاولة واحدة نجحت فقط. وعندما تم القبض على من فشل، تم وضعهم في عمليات إعدام وهمية، والمزيد من التعذيب. كانت السكاكين تضغط على حناجرهم، فيما بدا وكأنه ساعة موتهم المحتمة.

الدروس اليومية تواصلت، وأصبحت تشكل الآن مواضيع مثل “ما هو الجهاد”، “أنواع الجهاد”، و”كيفية الجهاد”. اجبر الأولاد على حفظ القرآن. كما أظهر لهم خاطفوهم أشرطة الفيديو التي تنتجها داعش لعمليات قطع الرؤوس والتفجيرات الانتحارية والمسلحين السنة وهم يفجرون المراقد الشيعية.

أخيراً، وفي نهاية يوليو، بدأ لاوند وأربعة من أصدقاءه التخطيط لهروبهم. في الليل، كان الحارس في الخارج نائماً، عندما قام الفتية بالتقاط القفل، والتسلل إلى الخارج، والقفز من فوق جدار الفناء. اختبأوا في موقع بناء قريب، وعند الفجر، اقترضوا مبلغاً صغيراً من المال من إحدى العائلات، واتصلوا بأسرهم من مقهى للإنترنت. أرسلت الأسر سائق عربي ثقة، تمكن من التنقل بين نقاط تفتيش داعش، وفي يوم 24 يوليو، عاد الأولاد إلى المنزل.

Comments are closed.