لا أحد يجهل أن العودة، ولو سراً عبر خلايا مسلحة نائمة إلى سوريا، هي من الأولويات في إيران. ودخول قوات سورية إلى لبنان هو فرصة لهذه العودة، فضلاً عن الخطر على المجتمع اللبناني كله من مقاتلين سلفيين تكفيريين من الإيغور والشيشان وسواهما، وراءهم مجازر الساحل والسويداء؟
لا مزاح مع التاريخ. وليس في التصور أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرأ تاريخ لبنان وسوريا، ودرس التضاريس الجيوسياسية الصعبة في الشرق الأوسط الذي يريد تحقیق سلام فیه. فالجنرال غورو لم يعلن في أول سبتمبر (أيلول) 1920 قيام لبنان الكبير تحت الانتداب الفرنسي قبل أن يذهب إلى دمشق في أغسطس (آب) ويسقط مملكة فيصل الأول، التي كان لبنان جزءاً منها.
وهذا الحلم-الكابوس هو ما يستسهل ترمب تقديم كأسه إلى الرئيس السوري أحمد الشرع. وليس أصعب من أن يقنع ترمب الشرع بدخول قواته إلى البقاع لسحب سلاح “حزب الله” سوى المهمة التي لا يستطيع الجيش الإسرائيلي القيام بها ولا تسمح حسابات الأوضاع في البلد لأن يغامر بها الجيش اللبناني.
ذلك أن الشرع قرأ تجربة حافظ الأسد وعاين وعانى تجربة نجله الرئيس بشار الأسد. فلا ظروف سوريا اليوم هي ظروفها في بدايات حرب لبنان عام 1975. ولا ظروف لبنان اليوم هي ظروفه في الماضي. ولا الحسابات الإقليمية والدولية اليوم هي تلك التي كانت في الربع الأخير من القرن الـ20.
الأسد دخل إلى لبنان عسكرياً بشكل مغطى تحت عنوان جيش التحرير الفلسطيني في بداية السبعينيات. وبحسب كتاب السفير الأميركي السابق في بيروت ديفيد هيل “الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان”، فإن الأسد أبلغ واشنطن استعداده للدخول العسكري في حال طلب الرئيس سليمان فرنجية ذلك، وعبدالحليم خدام أبلغها أن فرنجية طلب رسمياً إرسال قوات، ثم وعدت دمشق بأن “قواتنا ستكون قليلة، وتبقى خارج الجنوب، وتغادر خلال أشهر بمجرد حل الأزمة السياسية”.
لكن اللعبة كانت أوسع من ذلك وأبعد، فالأسد لم يدخل رسمياً بصورة واسعة قبل اتفاق “الخطوط الحمر” الذي رتبته أميركا مع إسحاق رابين الذي حدد للسوريين عدد الدبابات في الجنوب ومنعهم من استخدام الجو والبحر، وبالطبع قبل القمة العربية في القاهرة التي قررت بعد قمة الرياض إرسال القوات السورية ضمن قوات الدرع العربية، فضلاً عن أن الأميركيين قالوا للسوريين بوضوح “لا تضغطوا على لبنان كثيراً، ولا تبقوا فيه طويلاً”. غير أنهم ضغطوا كثيراً، وتغلغلوا في كل مفاصل البلد، وتحكموا به، ولم ينسحبوا إلا عام 2005″.
رفيق خوري
اندبندنت عربية