الحكومة البريطانية لمواطنيها: خزنوا المؤن

لندن (عربي times)

في خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً في أولويات الأمن القومي، تستعد الحكومة البريطانية لإطلاق حملة توعية وطنية تدعو المواطنين إلى تخزين كميات محدودة من المؤن الأساسية في منازلهم.

الهدف ليس إثارة الذعر أو التحضير لحرب عالمية، بل بناء مرونة مجتمعية تسمح للأسر بالاعتماد على نفسها لأيام قليلة في حال وقوع اضطرابات كبيرة، سواء كانت ناتجة عن الطقس المتطرف أو الهجمات السيبرانية أو أفعال دول معادية.

وهذه النصيحة ليست جديدة تماماً، إذ تعود جذورها إلى موقع “Prepare” الحكومي الذي أُطلق عام 2023-2024، لكنها تكتسب زخماً جديداً في صيف وخريف 2026 وسط تحديثات واسعة لخطط الدفاع الداخلي.

ويعمل مكتب مجلس الوزراء على حملة إعلامية عامة تركز على “المرونة الوطنية”. ستوجه هذه الحملة الأسر إلى الاحتفاظ بمخزون بسيط من الطعام المعلب والمياه المعبأة والأدوية الأساسية، بالإضافة إلى أدوات مثل المصابيح والراديوهات التي تعمل بالبطاريات أو بالتحريك اليدوي. الهدف المعلن واضح: إذا تمكنت غالبية الأسر من تدبير أمورها لثلاثة أيام تقريباً، فإن السلطات ستتمكن من توجيه مواردها المحدودة نحو الفئات الأكثر ضعفاً، مثل كبار السن أو المرضى أو ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تهديدات متعددة. من جهة، شهدت بريطانيا في صيف 2026 موجات حر شديدة وحرائق غابات وجفافاً أثر على بعض المناطق، مما أبرز هشاشة البنية التحتية أمام تغير المناخ. من جهة أخرى، تتصاعد المخاوف من الهجمات السيبرانية التي قد تعطل شبكات الكهرباء أو المياه أو الاتصالات، بالإضافة إلى التحذيرات الاستخباراتية بشأن احتمالات تصعيد جيوسياسي مع روسيا بحلول عام 2030. كما أشارت تقارير إلى تسريع تحديث “كتاب الحرب” (War Book) الحكومي، وهو دليل سري لإدارة الأزمات يعود آخر تحديث له إلى عام 2004.

وتؤكد الحكومة مراراً أن الرسالة “منطق سليم وليست تخويفاً”. قال مصدر حكومي لفايننشال تايمز “لن تكون مثل حملات ‘احمِ نفسك وانجُ’ في الحرب الباردة. ستكون نصائح عملية حول ما يمكنك فعله لتحسين مرونة منزلك، مثل الاحتفاظ ببعض المياه المعبأة والطعام المعلب”.
وتركز التوجيهات الرسمية، المستمدة من موقع Prepare.gov.uk والتحديثات المتوقعة للحملة، تركز على “عدة طوارئ لـ72 ساعة” وليس مخزوناً ضخماً لأشهر. وتشمل العناصر الأساسية المياه. وينصح بتخزين حوالي 30 إلى 120 لتراً حسب مستوى الراحة لأسرة من أربعة أفراد لمدة ثلاثة أيام.

كما ينصح بتخزين أغذية غير قابلة للتلف لا تحتاج إلى طهي، مثل اللحوم المعلبة والخضروات والفواكه والفاصوليا والبسكويت وزبدة الفول السوداني والحليب طويل الأمد.

ونصح ايضا بتخزين الأدوية والمستلزمات الطبية وأدوات الطاقة والإضاءة كمصباح يعمل بالبطارية أو بالتحريك اليدوي (أفضل من الشموع)، وبطاريات احتياطية، وبنك طاقة محمول لشحن الهواتف.

بالإضافة إلى راديو يعمل بالبطارية أو بالتحريك لسماع التحديثات الرسمية عند انقطاع الإنترنت والكهرباء.

ونصح ايضا بالاحتفاظ بمناديل مبللة ومعقم يدوي، ونسخ ورقية من الوثائق المهمة، ومبلغ نقدي صغير في حال تعطل أجهزة الدفع الإلكتروني.

يُنصح أيضاً بإعداد “حقيبة إخلاء” (grab bag) تحتوي على الأساسيات في حال الحاجة إلى مغادرة المنزل بسرعة. هذه القائمة ليست قائمة تسوق مكلفة؛ يمكن بناؤها تدريجياً بإضافة عناصر قليلة إلى المشتريات الأسبوعية العادية.
والحملة جزء من جهود أوسع لتعزيز الدفاع المنزلي. تخطط الحكومة لإجراء تمرين دفاع وطني كبير في 2027 يحاكي هجوماً هجيناً، وتحديث بروتوكولات إدارة الأزمات عبر الوزارات. كما تُدرس توجيهات جديدة للمدارس والكليات لتعليم الأطفال أساسيات السلامة في الطوارئ.
في الوقت نفسه، تؤكد الحكومة أن سلاسل التوريد الغذائية في المملكة المتحدة قوية ومتنوعة، ولا توجد خطط حالياً لإنشاء مخزونات وطنية ضخمة من الغذاء على مستوى الدولة، على عكس بعض الدول الأوروبية مثل سويسرا.

هذا النهج يعكس دروساً مستفادة من جائحة كوفيد-19 وانقطاعات المياه والكهرباء السابقة. الفكرة ليست أن بريطانيا تواجه كارثة وشيكة، بل أن الاضطرابات المؤقتة أصبحت أكثر احتمالاً في عالم مترابط ومعرض لتغير المناخ والتهديدات الهجينة. الاعتماد المفرط على “التوصيل الفوري” والمتاجر المفتوحة على مدار الساعة يجعل المجتمع هشاً؛ أما الاستعداد البسيط فيعيد بعض السيطرة للأفراد.

وأثارت التقارير الإعلامية نقاشات واسعة. بعض المعلقين رحبوا بالنصيحة كخطوة واقعية ومسؤولة، خاصة بعد تجارب انقطاع الخدمات في مناطق مختلفة. آخرون حذروا من أن التركيز على التخزين الفردي قد يُفسر على أنه إشارة إلى ضعف الاستعداد الحكومي، أو قد يؤدي إلى شراء مذعور يفرغ الرفوف دون داعٍ.
الحكومة ترد على ذلك بالقول إن الهدف هو تجنب الذعر تماماً من خلال التوعية المبكرة والمنظمة.من الناحية الاقتصادية، يُقدر الخبراء أن بناء مخزون لثلاثة أيام لا يكلف كثيراً إذا تم تدريجياً، ويمنع الهدر إذا رُوِّجت الأصناف بانتظام. كما أن التركيز على الأغذية التي لا تحتاج طهياً يعالج واقع أن انقطاع الكهرباء غالباً ما يتزامن مع تعطل المواقد.
تاريخياً، كانت بريطانيا تعتمد على حملات مدنية خلال الحرب الباردة، مثل “Protect and Survive”. اليوم، الرسالة أكثر هدوءاً وواقعية: لا تحتاج إلى ملجأ نووي، بل إلى رف في المطبخ يحتوي على أساسيات.
وسبق أن الخبراء في مجال سياسة الغذاء، مثل البروفيسور تيم لانغ، من ضعف الاكتفاء الذاتي الغذائي في بريطانيا، مطالبين بمخزونات وطنية أكبر، لكن الحكومة اختارت التركيز على المستوى الأسري حالياً.